فهرس الكتاب
وجاءت ندوة"أصيلة"لتدعو إلى إنشاء مركز الدراسات الأمريكية فكانت المبررات التي نشرت تتلخص فيما يأتي"فقد اتفق الحضور على وجود بعض أشكال من عدم الفهم للعروبة والإسلام في أمريكا وهذا ما يصعّب تقديم قضايا العرب والمسلمين بصفة جيدة كذلك اتفقوا بالمقابل على عدم التفهم العربي الكافي لأمريكا ومجتمعها وعمل إدارتها السياسية." (54) ورأى المجتمعون أن من الأهداف التي من الممكن تحقيقها من إنشاء المعهد"تقريب وجهات النظر وتقديم رؤية معتمدة على المعلومات المعاصرة وليس على الحساسيات التاريخية التي تتحكم بالجانبين"أما الوسائل التي سيستخدمها المعهد في تحقيق أهدافه فكما أشار الخبر"تقوية الحوارات والاتصالات بين الأكاديميين والصحافيين والعلماء والاقتصاديين من كلا الطرفين، كما يطبع الأعمال الثقافية والفكرية التي تخدم كافة أشكال الحوار الحضاري بين الثقافتين العربية والأمريكية." (55)
ومن الطريف أنني قبل ندوة"أصيلة"بأسبوعين تقريباً وفي المحاضرة التي ألقيتها بدعوة من نادي أبها الأدبي وفي 8 ربيع الأول 1417 ناديت بإنشاء كلية الدراسات الأوروبية والأمريكية و هذا ما قلته في تلك المحاضرة"وأجدها فرصة مناسبة لأدعو من هذا المنبر لإنشاء كلية للدراسات الأوربية أو مركز أبحاث الدراسات الأوروبية في المدينة المنورة، تكريما لهذه المدينة العظيمة التي انطلقت منها الدعوة الإسلامية فعم نورها أرجاء الدنيا وما زال." (*)
وقد أثار هذا الاقتراح الكثير من ردود الأفعال المؤيدة، ومنها ما كتبه عبد القادر طاش مشيراً إلىً أن الواقع يشهد نقصاً في"المعرفة العلمية الموضوعية... لابد لمثل هذا المعهد أن يعنى عناية فائقة بالدراسات الجادة التي تقدم لنا -نحن العرب والمسلمين- رؤية عميقة وموضوعية عن الفكر الأمريكي في تجلياته الإيجابية وفي قصوره السلبي وعن التيارات الثقافية التي يموج بها المجتمع الأمريكي وذلك لنعرف أمريكا على حقيقتها عوضاً عن الاعتماد على الانطباعات العجلى والرؤى القاصرة." (57)
ولكن طاش توقف عند فكرة الحساسيات التاريخية (*) التي يريد مؤسسو المركز استبعادها من أن تكون مصدراً للمعرفة فقال"ولكننا -مع ذلك- لا ينبغي أن نقلل من أثر الدوافع التاريخية في توتير العلاقة بين الطرفين فكرياً وثقافياً. كما لا ينبغي إهمال النظر إلى العوامل الأيديولوجية والسياسية وحتى الاقتصادية التي تؤثر على تلك العلاقة سلباً أو إيجاباً. لذلك فإن الرؤية المتكاملة تفرض علينا دراسة ظاهرة العلاقة بين أمريكا والعرب في ضوء كل هذه العوامل مجتمعة ولا يمكن فصل الحاضر عن الماضي." (59)
وتعجب عبد الرحمن الراشد أن لا توجد في العالم العربي دراسة"العلوم الأمريكية بتخصيص كلية أو مركز لها."وأشار إلى أن لدى الأمريكيين العشرات من المراكز والكليات المتخصصة في تدريس وإجراء بحوث عن منطقة الشرق الأوسط. وهناك مئات الجامعات الأمريكية التي تدرس العلوم الإسلامية وحضارتها ضمن برامج مكثفة في حين أننا لا نملك قسماً واحداً متخصصاً في العلوم الأمريكية مع أننا نعيش في القرن الأمريكي." (60) وأكد الراشد على ضرورة هذه الدراسات بقوله بأننا"لا يمكن أن نفهم ممارسات النظام الأمريكي سياسة واقتصاداً وثقافة من خلال تفاسير بسيطة تنطلق من روح المؤامرة الدائمة أو اللوبي الصهيوني أو لوبي السلاح، بل هناك دولة عظمى تتنازعها قوى داخلية كبرى وتؤثر على سياساتها طروحات حزبية أهم من إسرائيل وغيرها." (61) "
ولا بد هنا من التأكيد على أن أمريكا وإن كانت القوة العظمى في العصر الحاضر فإن هذا لا يمنع من دراستها ليس بالروح الانهزامية التخاذلية، كما نؤكد ما قاله عبد القادر طاش بأننا لا ينبغي أن نغفل العامل التاريخي أو الأيديولوجي أو السياسي أو حتى الاقتصادي في العلاقات بين العالم العربي الإسلامي وأمريكا والغرب عموماً.
وقد علّق أحد القراء على هذه القضية وأضاف بُعداً جديداً بأن دراسة الولايات المتحدة وحدها لا تكفي فلا بد أن تتسع هذه الدراسات لتشمل دول الاتحاد الأوروبي ونمور آسيا والصين والهند وروسيا. (62) وهو ما ينطبق عليه تعريفنا للآخر وفقا للمفهوم القرآني كما أوضحناها في بداية هذا البحث.
ولابد أن تنطلق رحلتنا لمعرفة الآخر من أسس شرعية، وقد كانت محاضرة الدكتور جعفر شيخ إدريس في مهرجان الجنادرية لهذا العام رائعة جدا في تحديد هذه المنطلقات، وأحب أن ألخصها هنا في النقاط الآتية:
1-كل جماعة من البشر ترى أن ما هي عليه من المعتقد والقيم والعمل أفضل مما عليه غيرها مهما كان ما هي عليه باطلا بمقياس الشرع، والدليل على هذا قوله تعالى {كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبؤهم بما كانوا يعملون} (63) .
2-تتقارب الأمم مع من كان على شاكلتها، ألم تذهب جهود تركيا طوال عشرات السنين هباء للالتحاق بالسوق الأوروبية المشتركة، وهاهي ليتوانيا وأستونيا تدخلان السوق ولم يمض على استقلالهما سنتان أو ثلاثة.
3-عدم الرضا التام إلاّّ على من كان على شاكلتهم، {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} (64) .