فهرس الكتاب
أما اللاعقلانية في المعطى الديني المسيحي فهي على نحو فردي شخصي فالإيمان سر لا يمكن إدراك كنهه بالعقل، والمسيح ثالث ثلاثة، ولا يمكن فهم علاقة الأقانيم داخل الثالوث بالعقل، والكنيسة سلطة متوسطة بين الله والإنسان تفسر الكتاب، ويعترف الفرد المذنب أمامها وتهبه الغفران. ثم تمرد النصارى على هذه اللاعقلانية لتظهر العلمانية التي تركز على الصلة المباشرة بين الإنسان والله وحرية تفسير"الكتاب المقدس"وبراءة الإنسان من خطيئة آدم عليه السلام، وضرورة تأسيس الدولة وأنها مستقبل الإنسان في هذا العالم. (141)
ولقد تناول القرآن الكريم معتقدات أهل الكتاب وسلوكهم، فأوضح ما أدخلوه على كتبهم من تحريفات وتبديلات وتغييرات، كما أوضح أن سلوكهم قائم على العداوة للغير والعصيان. وهذا ما يمكن أن نصفه بمصطلحات عصرنا"عنصريتهم وأنانيتهم وتمركزهم حول ذواتهم"ويضيف حنفي"فوصف أهل الكتاب في القرآن الكريم هو وصف ضمني لحال الغربيين اليوم وصلتهم بغيرهم." (142)
وكانت الكنيسة تؤيد النظام الإقطاعي، وكانت هي من أكبر الملاك في العصور الوسطى (الأوروبية) وكان العلاقات الاجتماعية قائمة في هذا النظام على أن للإقطاعي حقاً مقدساً يطلب بموجبه خدمات وأشياء أخرى من أتباعه، ولكنه في الوقت نفسه كان مرتبطاً تقليديا أن يكون مسؤولاً عن حمايتهم ويكفل لهم على الأقل الحد الأدنى من المستوى المعيشي. (143)
وظلت السلوكيات الاجتماعية والاقتصادية في القرنين السابع عشر والثامن عشر متأثرة بسلوكيات القرون الوسطى، فكان يعدُّ قيام أي شخص بمحاولة كسب الزبائن بتخفيض الأسعار إلى أدنى من السعر السائد يعد سلوكاً غير نصراني، وكانت التشريعات تنص على هذا. وكما يقول إريك فروم E r ich F r omm"كأنّ الاقتصاد والمجتمع وجدا من أجل الإنسان وليس العكس، وما كان أي تطور اقتصادي يعد صحياً لو أدى إلى إيذاء الإنسان." (144)
وما أن حلّ القرن التاسع عشر حتى تغيرت الأحوال فلم يعد الإنسان مقياس الأشياء في دائرة الاقتصاد، وكان من أبرز خصائص الرأسمالية في هذا القرن الاستغلال القاسي للعمال، وكان من المعتقد أنه من الطبيعي وهو القانون الاجتماعي أن يعيش مئات الألوف من العمال في حد المجاعة. (145) وأصبحت الرأسمالية تقوم على أن العمل هو"منتج يشتريه مالك المال، ولا يختلف جوهرياً عن أي سلعة في السوق. واستخدمه المشتري إلى أقصى حد. ومادام قد اشتراه في السوق فليس هناك إلزام على مالك المال فيما عدا دفع الأجور، فلو هلك مئات الألوف من العمال جوعاً فهذا حظهم العاثر بسبب مواهبهم المتدنية، أو ببساطة إنّه القانون الاجتماعي والطبيعي الذي لا يمكن تغييره. (146) "
وهكذا أصبح المجتمع الغربي يتكون من طبقات يمتلك بعضها القوة فتستأثر بأفضل المنتجات الاجتماعية لنفسها وتترك الأعمال الأشق والأقذر لغيرها من الطبقات، وقدراً أقل من الناتج الاجتماعي. وكان هذا التقسيم يتم عن طريق التقاليد الاجتماعية والدينية التي احتوت على قوة نفسيه في الناس مما يجعل تهديد القوة المادية غير ضروري. (147)
ويستنتج فروم أن المشكلة بين رأس المال والعمال أكبر بكثير من المشكلة بين طبقتين وأكبر من صراعهم من أجل نصيب أكبر من الناتج الاجتماعي، إنها مشكلة بين مجموعتين من القيم، إنها بين عالم الأشياء وتثمينها، وعالم الحياة و إنتاجيتها. (148) ونتيجة لهذه التطورات"أصبحت الطبقة العمالية نموذجاً لجماعة مُسْتَغَلّة يُتلاعب بها، ويمكن مداهنتها والإشادة بها، ولكن يندر استشارتها أو ابتاع رأيها، إن أكبر طبقتين عماليتين في العالم تلك التي في الولايات المتحدة والتي في الاتحاد السوفيتي، ليس لهما تأثير حقيقي على البناء السياسي في دولتيهما وعلى القرارات التي تتخذ فيهما." (149)
وقد وصل الأمر بالرأسمالية أن لا يبالي الرأسماليون في تدمير المنتجات الزراعية، بل كما يقول فروم إننا بدل أن نفرح بالمحصول الجيد نقوم بإحراقه أو رميه في البحر في الوقت الذي يوجد ملايين من البشر لا يجدون لقمة العيش ، ويبررون ذلك"من أجل استقرار السوق". (150)