فهرس الكتاب

الصفحة 14500 من 27364

وابتسم هشام وهو يقول:

ـ ولكن افرض أن الله أدخلك الجنة بالرغم من انتحارك ، ألا يكون قد فوت عليك الفرصة واختار لك بالرغم منك ؟

وضحك عارف بحبور وهو يقول:

ـ كلا … فإذا دخلت النار فبإرادتي ، وإذا أدخلني الله الجنة فأكون قد فرضت إرادتي عليه … لقد توعدني بالنار فيما لو انتحرت ، ولكنه أدخلني الجنة برغم الوعيد . لقد فرضت إرادتي عليه ، وجعلته يغير وعيده ، لقد أصبحت نداً له . أبعد هذا الانتصار انتصارا؟ …

ـ ولماذا لا يكون هو قَدَّر عليك الاختيار منذ البدء ؟

ـ أكون قد فضحت اللعبة كلها حينذاك .

وعاد عارف إلى الاسترخاء وهو يردد:

ـ الانتحار هو النصر النهائي على كافة أشكال السلطة وأنواعها) 248.

الحمد يمتهن لفظ ( العبادة ) :

ومن تنقصه لخالقه ـ عز وجل ـ أنه امتهن لفظ ( العبادة ) وجعلها في غير موضعها ، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ، وإنما جعلها في عبادة البشر بعضهم لبعض .

حيث قال على لسان ( عشيقته !) سويّر:

( أنا أعبدك يا هشام ، والعبد لا يشرك مع معبوده شيئاً .

وبدون هدف أو غاية أوقصد قال بشيء من المزاح ، وقد أحس بالزهو يسيطر عليه من الداخل:

ـ ولكن الشرك لا يكون إلا بالله . هو المعبود الوحيد .

وكنمرة متوحشة ، نظرت إليه بعينيها المبللتين ، وقد زادتا اتساعاً على اتساعهما ، وهي تقول:

ـ إذا أنت ربي … ترحمني وتعذبني .وكل شيء منك مقبول ومحمود .

ولم يستطع الإحتمال فعلاً ، فقال بتلقائية:

ـ أستغفر الله العظيم … أستغفر الله العظيم .

ردّد ذلك وشعور من الزهو وشيء لا يعرفه ، أشبه ما يكون بالذنب ، يمتزجان في داخله . كانت يدها قابضة على يده ، فمدَّ يده الأخرى وأخذ يربت على خدها ويتحسسه بلذَّة ، فيما ارتمت هي في أحضانه بعنف ، وأخذت تشمه بصوت مسموع ، وهي تردد:

ـ أحبُّك … أحبُّك يا هشام … أعشقك … أعبدك ) 249.

تنقصّ عظيم:

ومن تنقصه اللهَ ـ عز وجل ـ

قوله متحدثاً عن هشام وهو يحلم في منامه:

( وأخذ يسير على غير هدى في الصحراء ، وقشعريرة البرد تستولي عليه . كل شيء يوحي أنه لا يسير ، رغم أنه يسير . النجوم هي النجوم ، والصحراء والظلام عديمة الأبعاد لا يريد أن تنجلي ، واختفت البداية ، وتلاشت النهاية ،فلا يدري أهو يسير أم يهيء له أنه يسير . ولاح له بصيص نور من بعيد ، وأحس بالفرح الغامر رغم أنه يعلم أنه يحلم . وأخذ يغذ السير ، فيما النور يزداد سطوعاً وتتعدد ألونه ، أخضر وأحمر و أصفر ، ويتخللها لون أزرق باهت . وأخيراً وصل إلى حيث النور ، ثم فجأة أشرقت الشمس وهي تضحك بشكل هستيري لم تكن ذات الشمس التي يعرف ، فقد كانت شديدة الحرارة عديمة النور ، فرغم سطوعها ، إلا أن الظلام الحالك ما زال سائداً . وأخذ دماغه يغلي من الحرارة الشديدة ، إلا أن جسمه كان يرتعش برداً ، وأخذت النجوم ترسل سهاماً فضية في كل مكان ، حيث تتكسر بصوت أقرب إلى الرنين على صخور لا يراها ، ولكنه يعلم أنها هناك .

وفي خضم كل ذلك ، كانت نسمات هواء منعش تأتي من واحة وارفة الظلال تنبعث منها تلك الأضواء التي رآها من بعيد .كانت محاطة بأسلاك شائكة من كل جوانبها ، فلم يستطع الدخول . وأخذ يحوم حولها ، حتى تبين له الباب من بعيد .أتجه إليه ، وأراد الدخول بعجلة ، إلا أنه في اللحظة تلك ، برز له شخص من حيث لا يدري ، يحمل سوطاً طويلاً ، وملامح غريبة ، فقد كان له وجه ثور ، في رأس وجسم بشريين ، له مخالب في يديه ورجليه أشبه بمخالب الكلب ، وفي مؤخرته يبرز ذيل لولبي أشبه بذيل الخنزير ، استوقفه هذا الكائن وهو يخور قائلاً:

ـ إلى أين أيها الإنسان ؟

ـ أريد المأوى والطعام والسلام … هل هذا كثير ؟

ـ وهل تعتقد أن الدخول بهذه البساطة ؟ … الواحة واحتي ، ولا يدخلها إلا من يدفع الثمن . وثمنها بخس جداً … قبول شروطي .

ـ واحتك ؟ … شروطك ؟ … من أعطاك إياها ؟

ـ قوتي هي من أعطاني إياها … إنها لي وحدي .

ـ القوة لا تصنع حقاً.

ـ الحاجة أساس الحق .

ـ ونخر الكائن الغريب ، ثم قال بنفاد صبر:

ـ قوتي هي الحق هنا ، وإن كنت في شك من ذلك ، فحاول الدخول رغماً عني .

ولم يجد بداً من الاستسلام ، فقد كانت الحرارة والبرودة والظلام والصحراء لا تطاق ، فقال:

ـ حسنا … وما هي شروطك ؟

وافتر وجه الكائن عن بسمة رضا واسعة ، وأخذ اللعاب اللزج يسيل من بين أسنانه الضخمة ، فيما تحول أنفه إلى اللون الأرجواني وهو يقول:

ـ الآن أصبحت عاقلاً وحكيماً .

ثم استطر:

ـ ليس لي إلا شرط واحد لا غير … أن تطيعني في كل ما آمرك به ، ولك أن تتمتع بالماء والهواء والثمار والسلام .

ـ ياله من سعر باهظ !

ـ ويالها من ثمار طيبة !

ـ وإن رفضتُ؟

ـ ليس لك إلا الصحراء والجوع والعطش وكلاب الطريق .

ـ ولكني لا أستغني عن الحرية …

ـ ونخر الكائن مرة أخرى وهو يقول:

ـ الحرية … ماهي الحرية ؟ مجرد كلمة .

ـ ولكن في البدء كان الكلمة .

ـ وما نفع الكلمة مع الجوع والقلق .

ـ وما نفع الشبع والسكينة مع العبودية ؟

وأخذ الكائن ينخر ويهز سوطه في الهواء ، وهو يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت