فهرس الكتاب

الصفحة 14517 من 27364

قلت: فهذه المواقف ( الجنسية ) الكثيرة ، مع محاولة تضخيمها وتكلفها (أحياناً ) توحي للقارئ بأحد أمرين متلازمين:

الأول: أن تركي الحمد يتكلم عن واقع عاشه أو رآه خلال حياته الماضية فانطبع في ذهنه ومخيلته فارتبط كل حديث عن الماضي بتلكم الأحداث والمغامرات ( الجنسية ) لأن الإنسان لا يستطيع مهما فعل أن ينفصل كلياً عند ماضيه بل تبقى صور كثيرة ( يراها مهمة ) تتخايل بين عينيه عند كل ذكرى ماضية .

فإذا قلنا بهذا الأمر فإن الحمد لم يعد يرى أثناء دراسته في الرياض سوى هذه المواقف ( الجنسية ) التي أثرت عليه . واستهلكت منه وقتاً ( وجهداً ! ) .

الأمر الثاني: الذي يهدف إليه الحمد من خلال تضخيم هذه المواقف ، وإبرازها ، وتكلف بعضها ـ كما سبق ـ هو محاولةٌ لا سقاط جميع المثل التي يعتقدها الناس ، وأن الإنسان مهما ادعى الصلاح أو المثالية فإنه مجرد حيوان يجري خلف شهواته مهما حاول اضفاء هالة الشرف والعفة على شخصيته ، وما هذه الهالات المفتعلة التي يعيشها الناس مع بعضهم إلا ستار وقناع يخفون وراءه ألواناً عديدة من الآثام والسقوط ، فلو تأملنا الثلاثية جيداً للمحنا فيها هذا الهدف الذي يسعى إليه الحمد بل تجرأ فيه كثيراً .

نلمح ذلك في الآتي:

1ـ سقوط هشام في الإثم خلال عيشته بالرياض بعد أن كان يعيش مثاليات زائفة في الدمام بجوار والديه .

2ـ سقوط سوير زوجة عليان في الرذيلة مع هشام .

3ـ سقوط نورة ابنة جيرانهم في الدمام في الرذيلة معه .

4ـ سقوط موضي ابنة خاله في أول درجات الرذيلة .

5ـ عبارات كثيرة يطلقها الحمد في ثلاثيته تنبئ عن هذا الهدف ، ومن ذلك:

أ ـ قول الحمد على لسان عبد الرحمن ابن خال هشام بعد أن وصف له زناه بإحدى النساء: ( من قال لك إن كل من تسكن عند أهلها عذراء ) 409.

ب ـ قوله واصفاً حال هشام في الرياض: ( وفي الرياض سقطت باقي المثل التي زرعتها أمه في ذاته) 410.

ج ـ قوله واصفاً مدينة الرياض على لسان عبد الرحمن: (كل شيء ممكن في الرياض) 411 بعد أن قال هشام: ( كنت أظن أن الخمر غير موجود في الرياض ) .

د ـ قوله ـ على لسان عبد الرحمن موجهاً خطابه إلى هشام: ( سأجعلك تكتشف الرياض كما لم تكتشفها من قبل . ساريك رياضاً غير الرياض ) 412.

هـ ـ قوله ـ أيضاً ـ: ( في الرياض كل شيء ممنوع ، وكل شيء مباح ) 413 .

و ـ وقوله ـ أيضاً ـ على لسان عبد الرحمن: ( ديرة عجيبه فعلاً … كل شيء حرام وممنوع . وكل شيء مباح بشكل لا يتصور ) 414.

ز ـ قوله على لسان هشام متحدثاً مع نفسه: ( عليك الرحمة يا ابن آدم . ظننت نفسك أكرم الكائنات ، الذي طرد من أجله عابد الأزل من الرحمة والملكوت ، فاكتشفت أنك أتفه من ذبابة ، وأحقر من بعوضة ) 415.

ح ـ قوله: ( لقد مات أبوك آدم ، ولم يبق إلا أبليس ذو الصولجان ، كلهم اليوم لابليس ساجدون ، ومن أجله يسعون ) 416.

قلت: إذن فتركي الحمد يريد أن يقول لنا بأن جميع البشر سقطة منحرفون فاسدون فلا نغتر بالمثاليات الزائفة والأقنعة المخترعة يخفون وراءها حقيقتهم ، فهو يريد منا أن لا نتمسك بأي فضائل أو مثاليات .

فهي فلسفة ( معرّية ) 417 شابه بها رهين المحبسين حينما كان يقول:

وزهدني في الخلق معرفتي بهم

وعلمي بأن العالمين هباء

فالفكرة واحدة وهي عدم الاغترار بأي فضيلة أو مثاليات يتنكر الناس وراءها ، لأننا إذا دققنا في الأمر لم نجد إلا شياطين وأبالسة في مسوح بشر ، مما ينتج عنه أن تسقط من أعيننا كل الصور الجميلة والمثالية والشريفة والعالية التي رسمناها في مخيلتنا عن أفضل البشر سواء كانوا من الأنبياء أو من أفضل القرون بعدهم ، أي الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وأخزى من أبغضهم ! ـ

فإذا سقطت صور الأفراد المثالية من أعيننا سقطت تبعاً لها مجتمعاتهم التي كنا نظنها فاضلة !! حتى جاء الدكتور الفيلسوف ليحذرنا من الاغترار بهذا الوهم ، ويبين لنا أن لا فضيلة ترجى من ( بني آدم ) ! فهم ما داموا من أبناء آدم فلا شك هم مخادعون منافقون يخفون حقيقتهم خلف حجاب من الفضيلة والمثالية المزيفة .

إذن: لا تطالبونا بأن نترسم خطى القرون الثلاثة المفضلة التي أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تنخدعوا بمظاهر الصلاح التي يبديها بعض الناس لكم سواء كانوا من العلماء أو الدعاة أو الصالحين ، فإنها قد تتكشف عن انحرافات ومفاسد لا تتخيلونها .

ومما يثير العجب تركيزه على إظهار مدينة ( الرياض) وكانها من مدن الفجور والفاحشة كبانكوك أو .. أو .. من المدن التي يعرفها أهل الفساد ! وكأنه يقول لنا بأن هذه المدينة التي هي قاعدة بلادنا وعاصمتها ومنبع الخير فيها بما تضمه بين جنباتها من رجال ونساء صالحين إن هي إلا مدينة كغيرها من المدن ( الفاسدة ) التي يعرفها الناس ويزدرونها .

فكما أسقط الحمد الرموز البشرية من أفراد ومجتمعات من مخيلتنا فهو سيتبع ذلك باسقاط مثاليات المكان … ليخبرنا بأن لا مكان مقدَّس أو مطهَّر . ويضرب لذلك مثلاً بمدينة الرياض التي نحسن الظن فيها وفي أهلها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت