ومما ينبغي على الداعية ألاّ يعيش المثاليات ، وأن يعلم أنه مقصر ، وأن الناس مقصرون , قال سبحانه وتعالى (( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ) النور ... فهو الكامل سبحانه وتعالى وحده ، والنقص لنا ، ذهب الله بالكمال ، وأبقى كل النقص لذلك الإنسان ، فما دام أن الإنسان خلق من نقص فعلى الداعية أن يتعامل معه على هذا الاعتبار سواء كانوا رجالاً أو شباباً أو نساءً ، قال سبحانه وتعالى (( إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ ) النجم 32 .
فما دام الله قد أنشأكم من الأرض ، من الطين ، من التُراب ، فأنتم ناقصون لا محالة ، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يتعامل مع الناس على أنهم ناقصون ، وعلى أنهم مقصرون ، يرى المقصر منهم فيعينه ويساعده ويشجعه ، ويأخذ بيده إلى الطريق .
• والداعية الذي يعيش المثاليات لا يصلح للناس ، فإنه يتصور في الخيال أن الناس ملائكة ، الخلاف بينهم وبين الملائكة الأكل والشرب !!
وهذا خطأ ، خاصة في مثل القرن الخامس عشر الذي لا يوجد فيه صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة الأخيار ، وقل أهل العلم ، وكثرت الشبهات !!
وانحدرت علينا البدع من مكان ، وأُغرقنا بالشهوات ، وحاربتنا وسائل مدروسة ، دُرست في مجالس عالمية وراءها الصهيونيه العالمية وأذنابها !!
فحق على العالم وحق على الداعية أن يتعامل مع هذا الجيل ويتوقع منه الخطأ ، ويعلم أن الإنسان سوف يحيد عن الطريق ، فلا يعيش المثاليات .
6 -عدم اليأس من رحمة الله:
يجب على الداعية ألاّ يغضب إن طَرح عليه شاب مشكلته ، وأنه وقع في معصية ، فقد أُتىَ الرسو صلى الله عليه وسلم برجل شرب الخمر وهو من الصحابة أكثر من خمسين مرة !!
ثبت في الصحيح ، فلما أتى به ليقام عليه الحدّ ، قال بعض الصحابة: أخزاه الله ، ما أكثر ما يؤتى به ! فغضب عليه الصلاة والسلام ، وقال للرجل: (( لا تقل ذلك لا تعن الشيطان عليه ، والذي نفسي بيده ، ما علمتُ إلا أنه يحبّ الله ورسوله ) )أخرجه البخاري (12/75 رقم: 6781/6780 )
فما أحسن الحكمة ، وما أعظم التوجيه !!
لذلك نقول دائماً: لا تيأس من الناس مهما بدرت منهم المعاصي والمخالفات والأخطاء ، واعتبر أنهم أمل هذه الأمة ، وأنهم في يوم من الأيام سوف تفتح لهم أبواب التوبة ، وسوف تراهم صادقين مخلصين ، تائبين متوضئين .
• وينبغي على الداعية أن لا ييأس من استجابة الناس ، بل عليه أن يصبر ويثابر ، ويسأل الله لهم الهداية في السجود ، ولا يستعجل عليهم ، فإن رسولنا r مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يدو إلى (( لا إله إلا الله ) )، فلم ييأس مع كثرة الإيذاء !! ومع كثرة السب !! ومع كثرة الشتم !! واعلم أن ما تتعرض له من صعوبات لا يقارن بما تعرض له صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك صبر وتحمل كل ذلك ولم يغضب ، حتى أتاه ملك الجبال ! فقال له: يا محمد ، إن الله قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك ، فما شئت ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ؟ فقال له رسول ا صلى الله عليه وسلم (( بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ، لا يشرك به شيئاً ) )أخرجه البخاري ( 6/312-313 رقم 3231 ) ومسلم ( 3 / 1420 رقم 1795 )
فأخرج الله من أصلاب الكفرة القادة ، فمن صُلب الوليد بن المغيرة: خالد بن الوليد ، ومن صُلب أبي جهل: عكرمة بن أبي جهل .
فما أحسن الطريقة ، وما أحسن ألا ييأس الداعية ، وأن يعلم أن العاصي قد يتحول بعد عصيانه إلى إمام مسجد ! أو خطيب ! أو إلى عالم !
من الذي ما أساء قط ! ومن له الحسنى فقط ؟!
من ذا الذي ترضى سجاياه كلها *** كفى المرء نبلاً أن تعدّ معايبه !
تريد مهذّباً لا عيب فيه *** وهل عود يفوح بلا دُخان ؟!
هذا لا يصلح على منهج الكتاب والسنة .
فلا تقنط من رحمة الله فإن رحمة الله وسعت كل شيء ، وهو الرحمن الرحيم ، الذي يقول في الحديث القدسي الذي رواه أحمد والترمذي بسند صحيح (( يا ابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك ولا أبالي ، يا ابن آدم ، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أُبالي ، يا ابن آدم ، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً ، لأتيتك بها مغفرة ) )أخرجه الترمذي ( 3540 ) .
وعلى الداعية ألا ييأس من المدعوين بسبب بعض معاصيهم وإنما عليه أن يعايش الجميع ، الكبير والصغير ، الصالح والطالح ، والمطيع والعاصي ، ولتعلم أن هذا العاصي قد يكون في يوم من الأيام من رجال الدعوة ، وقد يكون من أولياء الله ، فلا تيأس ، وعليك أن تتدرّج معه ، وأن تأخذ بيده رويداً رويداً ، وألا تجابهه وألا تقاطعه .
• جاء وفد ثقيف إلى الرسو صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى الدين قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، ولكن أما الصلاة فلا نصلي ! وأما الزكاة فلا نزكي ! ولا نُجاهد في سبيل الله !!