فهرس الكتاب

الصفحة 1478 من 27364

هذه الصورة الكريمة الناصعة للمرأة المسلمة - كما حدد معالمها القرآن الكريم - طُمست وتلاشت (إلا في حالات استثنائية نادرة) عبر القرون التي اتخذ فيها المسلمون ?هَذَا القُرْآنَ مَهْجوراً? [الفرقان: 30] ، فتحولت المرأة المسلمة إلى كائن جاهل خامل، متخلف الحس والإدراك، فاقد الوعي، منكمش في تواجد باهت على هامش المجتمع، وكان لا بد أن يؤدي هذا الطمس والجور - على قانون الله - إلى سرقة مطلب تحرير المرأة من منطلقاته وتصوراته الإسلامية، بعد أن تقاعس علماء المسلمين عن أن يكونوا أول مَن يقود الحملة لمحو أمية المرأة، والدفاع عن حقوقها الشرعية، وإعادتها إلى ملامح ومعالم صورتها، كما قررها القرآن؛ لتنبعث حرة عزيزة من أرضيتها العقائدية، وتراثها الثقافي والفكري.

وهكذا - وفي غياب المبادرة الإسلامية للتصويب - وقعت قضية تحرير المرأة المسلمة في أيدي غير الأمناء، ممن لا ينطلقون من أرضية أو تصوُّر إسلامي، وتقدم كل مَن هب ودب؛ ليدلي بدلوه في مسألة تحرير المرأة المسلمة: ما بين صديق جاهل، وعدو ماكر، استطاع في نهاية الأمر - بعدائه ومكره - أن يكتِّل الصديق الجاهل إلى معسكره المعادي للإسلام، ويستثمر جهله لضرب معاقل المسلمات، وهتك سترهن، كجزء من المخطط الأسود الشامل على كل الأصعدة لضرب الإسلام والمسلمين، وإلغاء شريعتهم - لا سمح الله - حيلولة، ومنعاً لانبعاثهم الحتمي رحمة للعالمين، ولو كره الكافرون.

وفي مولد هذا الشعار البَرَّاق - تحرير المرأة - انفسخ المجال أمام الرواد العظام من تجار الشنطة الثقافية، القادمين من أوروبا ومن أمريكا أخيراً - ليصولوا ويجولوا، محمَّلين بأشكال وأنواع بضاعة الثقافة الغربية، بموروثاتها الجاهلية الوثنية الإغريقية، ومعها نماذج المرأة الأوروبية والأمريكية، التي كانت قد نالت حريتها حديثاً، متشكلة من رصيد فكري واجتماعي وديني خاص بها وحدها، لا تنتمي إليه، ولا يمكن أن تنتمي إليه المرأة المسلمة بحال.

وككل الباعة الجائلين، كانت أصوات تجار الشنطة الثقافية - هؤلاء - أعلى الأصوات، وأكثرها صخباً، وككل الباعة الجائلين - كذلك - كانوا يعرفون الكلمة التي تقال لتبهر وتجتذب، والبضاعة التي تُدس لتسلب، ونعجب الآن - ونحن ننظر إليهم على بُعد ما ينيف على النصف قرن - كم كان واضحاً كونهم مندوبي مبيعات شامخي الأنوف مع مواطنيهم، مهدوري الكرامة للرؤوس الأوروبية الغربية الداهية، من صهاينة وصليبيين وماسون، وكم كان واضحاً - على الرغم من الحذلقة - تشتُّتهم الفكري، وسطحيتهم - كنقال ببغاويين - بنداءاتهم الفجة، التي لا تخلو من وقاحة وسوقية، لهجر التأصيل من الذات لحساب التبعية الفكرية لغرب يمقتنا، ديناً وجنساً وتاريخاً، ويمارس معنا فوقية وغطرسة واحتقاراً، وهو يحضر الأنشوطة وراء الأنشوطة؛ لتلتف حول أعناقنا، جاذبة جباهنا عند أقدامه: جباهنا نحن المسلمين أصحاب العزة من الله: ?وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ? [المنافقون: 8] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت