وعموماً فإن الشيخ جودت سعيد، لا يخفي رأيه في موضوع علم الاجتماع الغربي، حيث يجعل مؤلفاته كلها مرتعاً خصباً لتلك الأفكار، وينطلق في ذلك من قدرة الإنسان على إحداث التغيير، ومعرفة سنن التغيير، وهو يعترف صراحة أن هذه السنن هي من اكتشاف الماركسيين والعالم الغربي بشكل عام، حيث يقول:"أما الكشف العلمي بأن هذه السنن تخضع لسلطان الإنسان، بشكل من الأشكال، فقد تنبه إليه في العصر الحديث إنسان محور (واشنطن - موسكو) ، قبل غيره" (33) .
لقد تناسى جودت سعيد مآسي الشيوعية في البلاد التي خضعت لمظالمها، ولعل الشيخ قد سمع من آبائه وأجداده ما عانوه من الماركسيين قبل هربهم من سطوة الإرهاب الشيوعي الأحمر.
وعموماً فقد حذر علماء المسلمين من اتباع مناهج أهل الضلال وطرقهم المظلة"ذلك أن النظر في كتب الإلحاد والكفر، والفسق والفجور، مخالف لطريق أهل الاستقامة، حيث كانوا ينهون أشد النهي عن النظر فيها للقراءة المجردة، لما تحتويه من الشبهات والكفريات، والاستهزاء بالدين وأهله، فكل هذا لا يجوز النظر فيه إلا لعالم متمكن، بقصد الرد على باطلها، والتحذير منها" (34) .
فما بالك بمن تبنى تلك الآراء الضالة، مشيداً بأصحابها، ويسعى جاهداً لنقل ذلك الغثاء إلى ديار المسلمين؟! فللمنهج أهمية كبيرة في مجالات التربية وميادين التغيير، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتشدد مع أصحابه في أمر التلقي في شأن العقيدة والمنهج، بقدر ما كان يفسح لهم في الرأي والتجربة في شؤون الحياة العملية.
دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، على النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب فيه مواعظ من التوراة، وقال: هذه كنت أصبتها مع رجل من أهل الكتاب. قال:"فاعرضها علي، فعرضتها فتغير وجهه تغيراً شديداً، ثم قال:"لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنا حظكم من النبيين وأنتم حظي من الأمم" (35) ."
ذلك أن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم، واقتباس مناهجهم وأوضاعهم تحمل ابتداء معنى الهزيمة الداخلية... كما تحمل الشك في كفاية نهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صعداً في طريق النماء والارتقاء.. كما أن أهل الكتاب لا يحرصون على شيء حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها..." (35) ."
ــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1-ينظر تفصيل ذلك: العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب ص: (5-6) ، الطبعة الثانية.
2-كتاب (اقرأ وربك الأكرم) للشيخ جودت سعيد، ص: (55) .
3-جريدة الرياض العدد (10188) في 16-5-1996م.
4-مذاهب فكرية معاصرة: الأستاذ محمد قطب، ص: (96-98) .
5-6- ينظر النزعة المادية في العالم الإسلامي: الأستاذ عادل التل، ص: (185، 219) .
7-جريدة الرياض العدد: (10405) في 9-8-1417ه.
8-ملحق الرسالة في جريدة المدينة في مقابلة مع جلبي ابتداء في 28-8-1423ه.
9-كتاب اقرأ وربك الأكرم ص: (153-154) دار الفكر المعاصر-بيروت.
10-ندوة تلفزيونية في دمشق؛ بالاشتراك مع الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.
11-ندوة السويداء في شريط مسجل، بصوت جودت سعيد خلال الندوة، نقلاً عن الأستاذ عادل التل في كتابه: (النزعة المادية) ، ص: (214-215) .
12-مشكاة المصابيح، حديث (5737) ، رواه الإمام أحمد، وصححه الشيخ الألباني.
13-تفسير القرطبي، ج (13-336) .
14-تفسير القرطبي، ج (20-138) .
15-النزعة المادية في العالم الإسلامي-عادل التل، ص: (192-193) بتصرف يسير.
16-رسالة انظروا، رقم (40) ، ص (8) ، جودت سعيد.
17-ينظر: النزعة المادية في العالم الإسلامي: للأستاذ عادل التل، ص: (78-83) .
18-حتى يغيروا ما بأنفسهم: جودت سعيد، دار الفكر المعاصر، بيروت- 1414ه.
19-النزعة المادية لعادل التل، ص: (81) .
20-حتى يغيروا ما بأنفسهم، ص: (31) .
21-النزعة المادية في العالم الإسلامي، ص: (82) ، عادل التل.
22-جدلية القوة والفكر والتاريخ: خالص جلبي، ص: (161) ، بيروت ودمشق، 1420ه، ودركايم عالم اجتماع يهودي معروف.
23-مذاهب فكرية معاصرة، الأستاذ محمد قطب، ص: (95) .
24-25- المدخل إلى علم التاريخ: د. محمد بن صامل السلمي، ص: (45-46) ، وص: (26) .
26-اقرأ وربك الأكرم: جودت سعيد، ص: (219) .
27-حتى يغيروا ما بأنفسهم: جودت سعيد، ص: (107) ، طبعة 1993م.
28-اقرأ وربك الأكرم، جودت سعيد، ص: (55) .
29-جريدة الرياض، العدد (10188) في 16-5-1996م.
30-رسالة انظروا رقم (40) اللغة والواقع، ص: (8) .
31-ينظر النزعة المادية في العالم الإسلامي، ص: (94) .
32-حتى يغيروا ما بأنفسهم، جودت سعيد، ص: (109) .
33-المرجع السابق، ص: (52) .
34-فاستقم كما أمرت: الشيخ عبدالعزيز الجليل، ص: (335) .
35-أخرجه أحمد في المسند، ج (3-471) ، والدارمي والبيهقي في الشعب ومجمع الزاوئد: (1-173) ، وقال الشيخ الألباني بعد أن استقصى طرق الحديث: هو على أقل تقدير حديث حسن، انظر: إرواء الغليل: ج (6) ، ص: (34-37) .