فهرس الكتاب
ويقول الأستاذ أنور الجندي رحمه الله:"لقد كان الاستعمار حريصاً على صنع طبقة خاصة من المثقفين، عمل كرومر على إعدادها ووعدها بأن تتسلم قيادة الأمة بعد خروج الإنجليز" (8) لعلمه بأن المجتمع المسلم قد يتقبل من هذه الطائفة المتدثرة باللباس الإسلامي ما لا يتقبله من الاحتلال أو من العلمانية.
(1) …السابق، ص 52.
(2) …هي الأميرة نازلي فاضل ابنة الأمير مصطفى فاضل باشا ابن إبراهيم باشا، الذي كان يرى بأنه الأحق بعرش مصر من أخيه الخديو إسماعيل ابن إبراهيم باشا الذي سعى لدى السلطان العثماني لجعل ملك مصر فيه وفي ذريته، فحرم أخاه مصطفى من العرش. ولهذا كانت نازلي تحقد على هذه الأسرة وتتعاون ضد الإنجليز ضدها بواسطة صالونها الذي افتتحته بعد عودتها من الخارج وتحت رعاية الإنجليز وتوجيههم. وهي -كما هو معلوم- التي شجعت المرأة المصرية على"التحرر". هلكت عام 1914م. انظر عنها:"مذكرات سعد زغلول" (1/64 وما بعدها) ، و"الحركة النسائية الحديثة"د. إجلال خليفة (ص27) ، و"الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار" (ص72) ، و"عودة الحجاب" (1/37 وما بعدها) . و"حجاب المسلمة .."للبرازي.
(3) … عودة الحجاب (1/36) .
(4) … سعد زغلول بين اليمين واليسار، ص 23
(5) … يقول الدكتور حسين النجار عنه:"وفي صالون الأميرة نازلي كان أول لقاء له مع لورد كرومر" (سعد زغلول: الزعامة والزعيم، ص16) .
(6) …بل أحكام الشريعة؛ لأن الأمور التي أراد قاسم ومن معه التنصل منها هي أحكام شرعية وليست تقاليد أو أعرافاً. وإلا لهان الأمر.
(7) … بحث بعنوان"تطور الفكر الإسلامي في مصر، ودور اللورد كرومر"منشور ضمن أبحاث: الندوة العالمية عن فكر المسلمين السياسي خلال الحقبة الاستعمارية، بالمعهد الإسلامي، لندن، 1986م ، ص 11.
(8) …عقبات في طريق النهضة ، ص 59.
أما عن الأفكار التي كان الاحتلال يريد ترويجها بين المسلمين عن طريق الطائفة (العصرانية) بقيادة الشيخ ! محمد عبده فهي:
1-التقريب بين المسلمين والكفار، وقد ابتدأت جهود محمد عبده في هذا الأمر عندما كان منفياً في بيروت حيث أسس جمعية للتقريب بين الأديان -كما سبق- ومن أقواله:"نستبشر بقرب الوقت الذي يسطع فيه نور العرفان الكامل، فتهزم له ظلمات الغفلة، فتصبح الملتان العظيمتان: المسيحية والإسلام وقد تعرفت كل منهما على الأخرى، وتصافحتا مصافحة الوداد، وتعانقتا معانقة الألفة، فتغمد عند ذلك سيوف الحرب التي طالما انزعجت لها أرواح الملتين" (1) !
ويقول لتلميذه رشيد رضا:"إن التقريب بين الأديان مما جاء به الدين الإسلامي" (2) .
2-إماتة روح الجهاد في الأمة الإسلامية، وهو أمر مترتب على السابق، يقول الدكتور فهد الرومي:"لعل أول ثمرة يجنيها أولئك القوم في سعيهم إلى التقريب بين الأديان: القضاء على فكرة الجهاد في الإسلام. فما دامت الأديان الثلاثة كلها حق، وليس بينها من فرق، فليس هناك من داعٍ لحمل السيف وإعلان الجهاد ضد النصارى مثلاً" (3) .
قلت: ولهذا كان محمد عبده يرى بأن الجهاد في الإسلام هو للدفاع فقط! ويقول:"القتال فيه -أي الإسلام- لرد اعتداء المعتدين على الحق وأهله" (4) . وهكذا كان رأي تلاميذه من بعده (5) .
بل لم تقتصر محاولة إماتة الجهاد عند محمد عبده على بلاد مصر فقط بل كان يرسل النصائح بذلك إلى علماء الجزائر المحتلة حينذاك من فرنسا!
ومن ذلك قوله للشيخ الجزائري عبد الحميد سمايا سنة 1903م بعد أن نصحه:"الناس محتاجون إلى نور العلم، والصدق في العمل، والجد في السعي؛ حتى يعيشوا في سلام وراحة مع من يجاورهم من أهل الأمم الأخرى" (6) !! فالمهم عند عبده ومن سيتبعه من العصرانيين!"أن يعيش في سلام وراحة"وإن كانت بلاده محتلة مستعبدة من عبّاد الصليب !
والعجب لا ينقضي من حال محمد عبده، الذي انعكست الأمور عنده، فجعل جهده وجهاده -كما سبق- في تهييج المسلمين على ولي أمرهم، والمساهمة في الخروج عليه. وهو أمر لا يقره الشرع. ثم تجده هنا عندما احتاج المسلمون إلى جهاد الكافر المحتل، وهو أمر شرعي، يثبط عن ذلك ويرضى بالمسالمة ! فحُق أن يقال له ما قاله أبو الطيب:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندى!
3-الدعوة إلى الوطنية الإقليمية، وعزل مصر عن العالم الإسلامي. ولمحمد عبده في هذا المقام أقوال كثيرة تؤسس لمثل هذه الفكرة الجاهلية التي تطورت من بعد على يد تلاميذه؛ لاسيما أحمد لطفي السيد صاحب شعار"مصر للمصريين"!
ومن ذلك: قول محمد عبده:"يا أبناء الوطن: لئن فرق بينكم اختلاف الآراء، وتنوع المشارب، وتلون التصورات، فقد وجدتم في الجامعة الوطنية ما تأتلفون به وتجتمعون عليه.." (7)
ثم تبنت الثورة العرابية التي هي ثمرة أفكار العصرانيين هذه الوطنية الجاهلية. يقول الدكتور فهمي الشناوي:"الثورة العرابية هي مأساة إجهاض الأمة الإسلامية؛ حيث انتهت بانفصال مصر عن الخلافة، وبدأت تتكون مصر كوطن.." (8)