فهرس الكتاب

الصفحة 14955 من 27364

خامساً: أن تقصير كبار العلماء -إما في مكافحة الانحراف أو التصدي لقضايا المسلمين أو للظلم ونحو ذلك- ليس مسوغًا لصرف الشباب المسلم عنهم؛ لأنهم -أي الشباب- كما سبق سيلجئون إلى غيرهم من أهل الزيغ الذين يفوق زيغهم وانحرافهم تقصير أولئك العلماء الكبار (1) . إنما كان الواجب على دعاة الإسلام أن يوثقوا العلاقة بعلمائهم ويربطوا الشباب بهم، ويناصحوهم في تقصيرهم، ويشدوا من أزرهم في الوقوف صفًا واحدًا أمام أعداء الإسلام ممن يريد خلخلة المجتمع المسلم ويستغل بخبث هذا الفصام بين الفئتين المؤمنتين. قال تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) .

سادساً: أن الطائفة العصرانية لابد لها من (شيخ) متزود بالعلم الشرعي -الذي يحجزه عن كثير من انحرافاتهم- تقف وتتترس وراءه! (2) أما بدون هذا (الشيخ) فإنها لن تفلح في مسعاها؛ لعدم قبول المسلمين لها؛ نظرًا لضحالتها الشرعية وزيغها الواضح.

وقد كان هذا (الشيخ) يتمثل في محمد عبده.

يقول الأستاذ بسطامي سعيد:"نلمح عند محمد عبده بعض ملامح المنهج العصراني؛ من صرف القرآن عن غير معانيه الظاهرة أحياناً؛ بحجة أنها تمثيل وتصوير، ورد للسنة الصحيحة أحياناً لمعارضتها ما يظن أنه علوم العصر، واستخدام المنهج التاريخي لمعالجة قضايا وأحكام الشريعة وربطها بظروف وملابسات مؤقتة. وإذا كانت هذه النزعات عند محمد عبده نزعات ضعيفة ومصغرة، ربما بحكم ثقافته الأزهرية، إلا أنها قد تركت آثارها في تلامذته من بعده، فتضخمت في مجموعة منهم، وصارت مضاعفة مكبرة" (3)

سابعاً: أن هذه الفئة المتترسة خلف (الشيخ) العصراني، لن تكتفي باجتهادات (شيخها) ، أو تقف عند الحدود التي حدها لهم ويرى أن في تجاوزها خطرًا على دينهم؛ نظرًا لمعرفته بالنصوص الشرعية! بل ستتجاوزها وتتخطاها باجتهادات كثيرة لا خطام لها ولا زمام؛ لأنه لا ضابط لهم حينها؛ نظرًا لضحالتهم الشرعية. لاسيما وقد استفادوا من (شيخهم) العصراني روح التجديد! والاجتهاد! وتجاوز الأعراف والتقاليد!… الخ زخارف القوم.

ولقد تنبه أحد الأذكياء (وهو المنفلوطي) إلى خطورة هذا الأمر في دعوة شيخه العصراني محمد عبده فخص هذا بمقالة جميلة تخيل فيها أنه استمع إلى حوار بين شيخه محمد عبده وقاسم أمين في عرصات يوم القيامة ! فتأمل ماذا دار بينهما.

يقول المنفلوطي:"وبينما أنا أحدث نفسي بهذا الحديث، وأقلّب النظر في وجوه تلك المواعظ والعبر، إذ قال لي صاحبي: أتعرف هذين؟ وأشار إلى رجلين واقفين ناحية يتناجيان: أحدهما شيخ جليل أبيض اللحية، وثانيهما كهل نحيف قد اختلط مبيضه بمسودّه، فما هي إلا النظرة الأولى حتى عرفت الرجلين العظيمين (!!) رجل الإسلام"محمد عبده"ورجل المرأة"قاسم أمين"فقلت لصاحبي: هل لك في أن ندنو منهما ونسترق (4) نجواهما من حيث لا يشعران؟ ففعلنا، فسمعنا الأول يقول للثاني: ليتك يا قاسم أخذت برأيي وأحللت نصحي لك محلاً من نفسك، فقد كنت أنهاك أن تفاجئ المرأة المصرية برأيك في الحجاب قبل أن تأخذ له عدّته من الأدب والدين، فجنى كتابك عليها ما جناه من هتك حرمتها وفسادها وتبذُّلها وإراقة تلك البقية الصالحة التي كانت في وجهها من ماء الحياء، فقال له صاحبه: إني أشرت عليها أن تتعلم قبل أن تسفر، وأن لا ترفع بُرقُعها قبل أن تنسج لها برقعاً من الأدب والحياء، قال له: ولكن فاتك ما كنت تنبّأت به من أنها جاهلة لا تفهم هذه التفاصيل، وضعيفة لا تعبأ بهذا الاستثناء، فكنت كمن أعطى الجاهل سيفاً ليقتل به غيره، فقتل نفسه."

(1) … وهذا الانفصال بين الشباب وكبار العلماء مما يُفرح أهل الفساد من العلمانيين المتربصين بالطائفتين الدوائر. فهل يعي العقلاء هذا وينتهوا عن (تهييج) الشباب على علمائه ؟! .

(2) … ومعنى هذا أن (الشيخ) راضٍ عن مسلك تلاميذه والمتترسين خلفه من العصرانيين، وعمل الجميع يتم وفق (تنسيق) محدد!. فمن الخطأ الواضح ما يظنه بعض الباحثين؛ كأنور الجندي في عدد من كتبه (انظر مثلاً: اليقظة الإسلامية، ص203) أو الدكتور أحمد عبد الرحمن في مقاله بمجلة المنار الجديد، عدد 19، من أن تلاميذ عبده العلمانيين قد خالفوا شيخهم الذي لا يرضيه مسلكهم !! وسبب هذا الخطأ أن من يطالع سيرة عبده لن تخفاه العلاقات (الحميمة) ! سواء في مصر أو في خارجها بينه وبين تلاميذه العلمانيين؛ وعلى رأسهم سعد زغلول وقاسم أمين وغيرهم. انظر على سبيل المثال: رسائل تلميذه سعد زغلول إليه التي نشرها رشيد رضا في تاريخ الأستاذ الإمام (1/1069 وما بعدها) ، وكذا ما ذكره أحمد لطفي السيد في مذكراته (ص37) عن اجتماعهم -عبده، قاسم، سعد، لطفي- في جنيف !

…وانظر رد الأستاذ مصطفى غزال على أنور الجندي -رحمه الله- حول هذه المسألة في: مجلة المجتمع (العدد 696-25/3/1405هـ) .

(3) … مفهوم تجديد الدين، ص 143.

(4) … نسترق: نسمع خفيةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت