فهرس الكتاب
وقد ذكر في هذا البحث أكثر من مرة أن المعتزلة اعتمدوا على العقل في تعاملهم مع نصوص الوحي ، وقد يتوهم أحد أن الإسلام ضد العقل ويسعى للحجر عليه ولكن هذا الفهم يرده دعوة الإسلام إلى التفكر في خلق السموات والأرض والتركيز على استعمال العقل في اكتشاف الخير والشر وغير ذلك مما هو معروف ومشهور مما دعى العقاد - رحمه الله - إلى أن يؤلف كتاباً بعنوان (التفكير فريضة إسلامية ) ولهذا فإن من انحرافات المعتزلة هو استعمالهم العقل في غير مجالة: في أمور غيبية مما تقع خارج الحس ولا يمكن محاكمتها محاكمة عقلية صحيحة ، كما أنهم بنوا عدداً من القضايا على مقدمات معينة فكانت النتائج ليست صحيحة على إطلاقها وهو أمر لا يسلّم به دائماً حتى لو اتبعت نفس الأساليب التي استعملوها في الاستنباط والنظر العقلي: مثل نفيهم الصفات عن الله اعتماداً على قوله تعالى: ( ليس كمثله شيء ) وكان الصحيح أن لا تنفى عنه الصفات التي أثبتها لنفسه سبحانه وتعالى ولكن تفهم الآية على أن صفاته سبحانه وتعالى لا تماثل صفات المخلوقين .
وقد حدد العلماء مجال استعمال العقل بعدد من الضوابط منها:
-أن لا يتعارض مع النصوص الصحيحة .
-أن لا يكون استعمال العقل في القضايا الغيبية التي تعتبر الوحي هو المصدر الصحيح والوحيد لمعرفتها .
-أن يقدم النقل على العقل في الأمور التي لم تتضح حكمتها ( وهي ما يعرف بالأمور التوقيفية ) .
ولا شك أن احترام الإسلام للعقل وتشجيعه للنظر والفكر لا يقدمه على النصوص الشرعية الصحيحة ، خاصة أن العقول متغيرة وتختلف بمؤثرات كثيرة تجعلها لا تصلح لأن تكون الحكم المطلق في كل الأمور . ومن المعروف أن مصدر المعرفة في الفكر الإسلامي يتكون من:
1.الحواس وما يقع في مجالها من الأمور الملموسة من الموجودات .
2.العقل وما يستطيع أن يصل إليه من خلال ما تسعفه به الحواس والمعلومات التي يمكن مشاهدتها واختبارها وما يلحق ذلك من علميات عقلية تعتمد في جملتها على ثقافة الفرد ومجتمعه وغير ذلك من المؤثرات .
3.الوحي من كتاب وسنة حيث هو المصدر الوحيد والصحيح للأمور الغيبية ، وما لا تستطيع أن تدركه الحواس ، وما أعده الله في الدار الآخرة ، وما أرسل من الرسل إلخ...
وهكذا يظهر أنه لا بد من تكامل العقل والنقل في التعامل مع النصوص الشرعية كل فيما يخصه وبالشروط التي حددها العلماء .
الجذور الفكرية والعقائدية:
هناك رواية ترجع الفكر المعتزلي في نفي الصفات إلى أصول يهودية فلسفية فالجعد بن درهم أخذ فكرة عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي .
وقيل: أن مناقشات الجهم بن صفوان مع فرقة السمنية وهي فرقة هندية تؤمن بالتناسخ قد أدت إلى تشكيكه في دينه وابتداعه لنفي الصفات .
إن فكر يوحنا الدمشقي وأقواله تعد مورداً من موارد الفكر الاعتزالي ، إذ أنه كان يقول بالأصلح ونفي الصفات الأزلية وحرية الإرادة الإنسانية .
ونفي القدر عند المعتزلة الذي ظهر على يد معبد الجهني وغيلان الدمشقي ، قيل إنهما أخذاه عن نصراني يدعى أبو ونيس سنسويه وقد أخذ عمرو بن عبيد صاحب واصل بن عطاء فكرة نفي القدر عن معبد الجهني .
تأثر المعتزلة بالفلاسفة اليونان في موضوع الذات والصفات مثل أنبا دقليس الفيلسوف اليوناني . وكذلك قول أرسطوطاليس في بعض كتبه: ( أن الباري علم كله ، قدركله ، حياة كله ، بصر كله ) .
فأخذ العلاف وهو من شيوخ المعتزلة هذه الأفكار وقال: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته ، قادر بقدرة وقدرته ذاته ، حي بحياة وحياته ذاته .
وأخذ النظام من ملاحدة الفلاسفة قولة بإبطال الجزء الذي لا يتجزأ ثم بنى عليه قوله بالطفرة ، أي أن الجسم يمكن أن يكون في مكان ( أ ) ثم يصبح في مكان ( ج ) دون أن يمر في ( ب ) .
وهذا من عجائبه حتى قيل: أن من عجائب الدنيا: ( طفرة النظام وكسب الأشعري ) .
وأن أحمد بن خابط والفضل الحدثي وهما من أصحاب النظام قد طالعا كتب الفلاسفة ومزجا الفكر الفلسفي مع الفكر النصراني مع الفكر الهندي وقالا بما يلي:
1.إن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة .
2.أن المسيح تدرع بالجسد الجسماني وهو الكلمة القديمة المتجسدة .
3.القول بالتناسخ .
4.حملا كل ما ورد في الخبر عن رؤية الله تعالى على رؤية العقل الأول الذي هو أول مبتدع وهو العقل الفعال الذي منه تفيض الصور على الموجودات .
ومنهم من يرجع فكر المعتزلة إلى الجذور الفكرية العقدية في العراق - حيث نشأ المعتزلة - الذي يسكنه عدة فرق تنتهي إلى طوائف مختلفة ، فبعضهم ينتهي إلى الكلدان وبعضهم إلى الفرس وبعضهم نصارى وبعضهم يهود وبعضهم مجوس وقد دخل هؤلاء في الإسلام وبعضهم قد فهمه على ضوء معلوماته القديمة وخلفيته الثقافية والدينية .
الفكر الاعتزالي الحديث: