فهرس الكتاب

الصفحة 15225 من 27364

قد يكون من المناسب في البداية تقديم ملامح عن تاريخ فكرة التعددية ونشأتها في الغرب [1] ، مع بعض الملامح أيضا عن ما يقابل الفكرة في الإسلام . ترجع أصول التعددية في الغرب إلى الفلسفة اليونانية حيث ظهرت الفكرة لمناهضة فلسفة وحدة الوجود ونقضا لها ، ومضمونها أن الوجود ليس واحدا بل متعددا . وحين بدأ الغرب يحاول النهوض بإحياء مخلفات التفكير اليونانى، بعثت فكرة التعددية الفلسفية من جديد في القرن السابع عشر الميلادي ، وظلت حبيسة في الإطار الفلسفى دون أن تجد لها سوقا نافقا حتى بداية القرن العشرين . ثم تنامت من جديد على يد المفكرين الانجليزين وليام جيمس وبرتراند رسل ، الذين وجدت آراؤهما قبولا فائقا في مناخ من اليأس السائد بين العلماء آنذاك ، بسبب فشل العلوم التجريبية في حل كثير من معضلات الكون ، حتى لقد أعلن أحدهم انتصاره قائلا:"لقد تكسرت هيمنة الحقيقة المطلقة على ايدينا". ومن الفلسفة انتقلت الفكرة إلى ميدان السياسة حيث دعا العلماء في أوربا وأمريكا - ومن أبرزهم هارولد لاسكى - إلى تحطيم سلطان الدولة المطلق . وفي الفترة التى تلت انهيار الاستعمار للبلاد الآسيوية والافريقية ، ظهرت كثير من النزاعات والحروب الاقليمية والعرقية والدينية ، بسبب عوامل داخلية ومكائد خارجية ، مما أبرز تفكيرا جديدا في العلوم الاجتماعية عن التعددية وتعايش الجنسيات والثقافات والديانات . ثم انتقل داء النزاع والصراع إلى عقر ديار الغرب وخاصة في عواصمه ومدنه الكبري ، إذ هاجرت أعداد كبيرة من سكان آسيا وأفريقيا واستوطنت هناك ، ووجدت بين الغربين سحنات غريبة وثقافات وديانات غير مألوفة ، فكانت التعددية محاولات لحل المعضلات التى نشأت من جراء هذه الهجرات ، ولاستيعاب هذا التنوع والتباين في البرامج التعليمية والمؤسسات الاجتماعية . وخلاصة الأمر أن التعددية بمبادئها المعاصرة الرائجة ، ليست إلا حلولا أبدعها الفكر الغربي لمشكلات مختلفة أحدثها تطوره التاريخى الخاص ونظرته للحياة ومناهجها ونظمها . ويبقى السؤال ما المقبول والملائم لظرف بلادنا من ذلك كله وما المرفوض .

وإذا توجه المرء بنظره إلى الإسلام ، فالأمر جد مختلف ، إذ أن أصول أي فكرة ترجع إلى الوحي ونصوصه في القرآن والسنة ، اللذان يخضعان في التوثيق والتفسير لمنهج علمى معين ، واللذان يوجهان العقل والتجرية البشرية والتطور التاريخى في أطر محدودة . ومما لا شك فيه أن كلمة التعددية لا توجد في قاموس مصطلحات العلوم الإسلامية ، ولكن لا يمكن لعاقل أن يدعى أن الاسلام ليس له تصور ولا منهج لمسألة التنوع والتباين والاختلاف . بل من يراجع القرآن والسنة وكتب الاقدمين والمعاصرين يجدها ملأى بالحديث عن كثير من المبادئ والقيم والتوجيهات الخاصة بذلك . ويقوم التاريخ الإسلامي شاهدا على تنزيل هذه المبادئ والقيم إلى واقع ملموس ، إذ ضم العالم الإسلامي في أراضيه على امتدادها وفساحتها ، كما هائلا من الجنسيات والأعراق واللغات والمذاهب والآراء والمعتقدات والأديان ، وتفاعلت فيما بينها وتلاحقت وتحاورت وتجادلت ، وشاركت كلها في صنع الحضارة الإسلامية في علومها وفنونها ونظمها ومؤسساتها المختلفة ، وإن ظهرت فيما بينها بين الحين والآخر نزاعات وصراعات وحروب فهي استثناء لا أصل .

ولكن هذا التاريخ الماضى والمجد التليد للمسلمين السالفين، لا يوجد إلا في أضابير الكتب وبطون النظريات ، ويحتاج إصلاح العالم الإسلامي اليوم إلى إحياء ذلك التراث وبعثه وتجديده وتنزيله في الواقع ، مع الاستفادة من معارف الغرب وعلومه ونظمه ، فيما يتفق مع مقاصد الإسلام والمصالح العامة بضوابطها المعروفة ، جمعا بين الأصالة والمعاصرة .

ووفق هذا المنهاج يتجه هذا البحث في قضية التعددية المعاصرة إلى التفصيل والتخصيص . وسوف يشمل النظر مجالات تعددية الحقيقة ، والتعددية الخلقية والدينية والعرقية والسياسية .

[1] راجع الفصل الثاني والثالث من المرجع السابق McLennan, G r ego r , Plu r alism.

تعددية الحقيقة والقيم

إن النظرة الفلسفية للتعددية الغربية المعاصرة هوالمدخل لفهمها ، وهو العمود الفقري لاستيعاب وجوهها وتطبيقاتها المختلفة في شتى الميادين . وتزعم هذه النظرية [1] أن الحقيقة ترتبط ارتباطا وثيقا بالظرف الذي تنشأ فيه ، أيا كان هذا الظرف من شخصية المرء أو نظامه المعرفي أو ثقافته أو لغته أو زمانه أو مكانه . وبما أن الظروف تتعدد وتتغير فإن الحقيقة تبعا لذلك متعددة . ذلك أن الحقيقة ليست إلا تصورا جزئيا للأشياء ، يعتمد في الأساس على الزاوية التى ينظر منها للشئ ، وبما أن زوايا النظر تتفاوت فالحقيقة كذلك متفاوتة ومتعددة . وعليه لا توجد حقيقة مطلقة يمكن أن يحكم بها على صحة أو بطلان الآراء ، بل كل الحائق نسبية حسب الظرف الذي تنسب إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت