فهرس الكتاب

الصفحة 15243 من 27364

نعرف الآن مثلاً أن الزلزال يقع نتيجة لتصدع طبقات الأرض وتحركها ، وليس لأن المدن شريرة أو لأن الآلهة ثائرة غضبى ، ونعرف أن الجنون مرض يصيب العقل وله أسباب مختلفة وصور شتى وطرق في العلاج تتعدد بتعدد أسبابه وأنواعه ، وليس حلولاً لجن أو شيطان في جسد المريض كما كان يعتقد الناس من قبل ، وكما يعتقد كثيرون منهم حتى اليوم ، وهذا هو الخطاب الذي يتفق مع روح العصر ، لأنه يتفق مع العلم ، أي مع العقل والتجربة» ، «ونحن إذن أمام مصدرين للمعرفة: العقل الذي نفسر به الظواهر ، ونتتبع التحولات ، وننتقل من السبب إلى النتيجة ، يبدو لنا العالم مفهومًا ، ونشعر بقدرتنا على التحكم فيه والسيطرة عليه ، والنص الذي يعتقد النصوصيون الحرفيون فئران الكتب وحفارو القبور أنه علم سابق على كل علم وأن كل معرفة جديدة صادرة عنه ومتضمنة فيه ، فالأسلاف لم يتركوا شيئا للأخلاف ، ولا جديد تحت الشمس !» (13)

ونلاحظ أن غموض هذا العنوان (تجديد الخطاب الديني) لهذه الدعوة وهو في الواقع (هدم القيم والثوابت والتصورات الإسلامية واستبدالها) أفادهم ـ فوق التعمية على مقصدهم الحقيقي ـ تورط بعض المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية من علماء أو دعاة في الترويج لها ظنًا منهم أن المقصود هو تجديد الوسائل والأساليب، وهذا التورط أعطى غطاءً مناسبًا لأصحاب الدعوة الأصليين من متبجحي العلمانيين، حتى وإن همش فيما بعد هؤلاء العلماء والدعاة. (14)

وفي المقابل: يتضمن مشروع خطة تطوير الخطاب الديني في مصر والدول العربية دورات تدريبية مكثفة في القاهرة وواشنطن.. حيث من المقرر أن يلتحق بدورات واشنطن ما بين 500 إلى 600 من الدعاة ، وذلك بعد الانتهاء من الدورات التدريبية في مصر.. وفي هذا الإطار كانت وزارة الأوقاف قد انتهت من دورة أخرى لعدد من الدعاة بالاشتراك مع الهيئة الإنجيلية بالقاهرة.. كانت مدتها أكثر من 3 أشهر ، حيث تم اختيار الدعاة بدقة متناهية للإقامة في أحد فنادق القاهرة بمشاركة عدد مماثل من القساوسة ، وكان نظام الدورة يعتمد على ورش عمل بين الأئمة والقساوسة لإعداد أبحاث علمية في قضايا شتى ثم مناقشتها مع الخبراء والمفكرين الليبراليين ؛ وذلك بهدف كسر الحاجز الديني وتغيير الفكرة الذهنية عن الآخر من خلال المشاركة بين القس والخطيب ، ومن ثم فإن النتيجة من هذه المشاركة ستكون في صالح الإدارة الأمريكية.. على اعتبار أنها الموجه الرئيسي لهذه الأفكار.

ومن وجهة نظر الإدارة الأمريكية فإن مثل هذه الدورات ، ومن خلال مشاركة عدد من رجال الدين الكبار الذين يرفضون الإرهاب ولديهم تفسير عقلاني للدين ، تسعى لترسيخ مفردات الخطاب الديني الجديد وليس موضوعاته فقط ـ خاصة ما ورد في القرآن أو السنة ـ ؛ لأنه وفق رؤيتهم فإن هذه المفردات هي التي تشكل السلوك العام والتفصيلي الذي يلتزم به الأفراد.. (15)

وإذا كان وعي الأمة - أي أمة - يُقاس بقدرتها على: الاستفادة من ماضيها ، واستيعاب حاضرها ، واستشراف مستقبلها ؛ فإن قياس أمتنا - والحال هكذا - لن يكون مشرِّفاً ؛ إذ نرى الأمة غارقة فيما حدث.. متخبطة فيما يحدث.. جاهلة بما سيحدث... وهو ما يدفعنا لطرح قضية «التغيير القادم» ، على نطاق واسع ، يصل الماضي بالحاضر ، ويعرض في أثناء ذلك صورتين للمستقبل:

أولاهما: رُسمت بأيدي الأعداء في دهاليز المخابرات وأروقة الوزارات.

والثانية: وضعنا لمساتها الأولى ، وفق رؤية إسلامية ، نستمد معالمها من كتاب الله عز وجل ، وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ، مع الإقرار بأن ما يعرض للأمة في مرحلتها الآنية ؛ يستدعي تضافر جهود صفوة علماء الأمة ومفكريها ؛ للفرار من جحر الضب ، والحذر من لدغة الأفعى ، كما حثنا النبي عليه الصلاة والسلام.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ"، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ؟! ."قَالَ: فَمَنْ ؟!!" (16) .

ومن هنا انطلقت دعوة التجديد للخطاب الديني لتكون الذراع الداخلي للتحرك الخارجي ومن هنا جاء غموضها وإبهامها وعدم وضوحها المتعمد (هل هي تجديد في اللغة واللهجة، أم في المضمون ؟ وهل يمكن الفصل بين الاثنين ؟ وهل هي تغيير في المصطلح ؟ وهل لا يؤدي تغيير المصطلح إلى تغيير المفاهيم ؟) .

ومصطلح التغيير ـ بسبب الملابسات المذكورة أنفا ـ استُعمل جسراً ووسيلة لتمرير أفكار معينة ورؤى محددة ، وتحيزات فكرية وعملية معروفة ، بل استُعمل لفرض هذه الأفكار والتحيزات بشكل خفي أو جلي ، كما أنه استُعمل بصورة إيجابية ، في بعض الأحيان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت