فهرس الكتاب

الصفحة 15296 من 27364

-يظهر جلياً لمن تأمل كتاب الدكتور أنه كتبه بعد تشبع بالواقع السياسي المعاصر لمعظم الدول الغربية - كما سبق - ؛ حيث شعارات: الأحزاب المتنوعة، وتيارات المعارضة، ، والتعددية الفكرية والسياسية ، والتداول السلمي للسلطة.. إلخ مكونات هذا الواقع [حسب الظاهر بغض النظر عن صدقه أو كذبه على أرض الواقع ] . هذا التشبع انطبع على نظرة أو قراءة الدكتور لتاريخ المسلمين السياسي -سواء فترة الخلفاء الراشدين أو ما بعدها- مما أوقعه في تكلفات، وأحياناً تجاوزات تغاضى عنها في سبيل أن ينطبق واقع تلك الدول الغربية السياسي على تاريخنا.

-انساق الدكتور مع المنادين بأفكار الحرية ومناهضة الاستبداد وهي أفكار -بلا شك- تسلب الألباب لأول وهلة - كما سبق - ؛ لأن الإنسان مفطور على كراهية الاستعباد والظلم والنفور منهما، يكاد يتفق على ذلك بنو آدم. ولكن هذه الحرية والمناهضة للاستبداد... إن لم تُضبط وتُقيد بنصوص الشرع -وإن كانت كُرْهاً لبعض الأنفس- وإلا جمحت وضرت مجموع الأمة وأصابتها بفتنتها.

فكأن الدكتور -وفقه الله- بكتابه هذا يقول للآخرين: إن دعاة السلفية لهم حظ وافر من الدعوة إلى الحرية ومنابذة الاستبداد التي اشتهر بها غيرهم ! وهذا حسَنٌ لو تجاوز صاحبه بعض الأخطاء أو المجاملات التي تنبئ عن هزيمة نفسية تجاه الآخرين ، ومثلها رفع الأسافل لمجرد اتفاقهم معه في هذه الشعارات ( المطاطة ) . وحسنٌ لو قُيدت هذه الحرية بقيود الشرع ؛ لأنه ما كل حرية يجيزها الشرع ، وتسميتها حرية هو من التلبيس ، كمن يسمي الربا المحرم"فائدة"، فلا ينبغي للداعية أو العالم أن يضعف أمام استعلاء الآخرين بباطلهم ، بل يأخذ منافعه ، ويحذّر من مفاسده ، ويواجههم بها .

الملاحظات التفصيلية:

1-يقول الدكتور في مقدمة كتابه ( ص 7-8) :"لِمَ لَمْ يعد أكثر علماء الإسلام ودعاته اليوم يهتمون بحقوق الإنسان وحريته والعدالة الاجتماعية والمساواة ؟"

كيف تم اختزال مفهوم الشريعة لتصبح السياسة الشرعية، وحقوق الإنسان، والحريات، والعدالة الاجتماعية، والمساواة؛ كل ذلك لا علاقة له بالشريعة التي يراد تطبيقها والدين الذين يُدعى الناس إليه اليوم؟!

كيف تم تفريغ الإسلام من مضمونه، فصار أكثر الدعاة إليه اليوم يدعون الناس إلى دين لا قيمة فيه للإنسان وحريته وكرامته وحقوقه، إلى دين لا يدعو إلى العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية، بل يرفض تغيير الواقع ويدعو إلى ترسيخه بدعوى طاعة ولي الأمر ؟!!

كيف ندعو شعوب العالم الذي تساوى فيها الحاكم والمحكوم حيث الشعب يحاسب رؤساءه، وينتقدهم علانية ويعزلهم بطرح الثقة بهم، ولا يستطيع الحاكم سجن أحد أو مصادرة حريته أو تعذيبه؛ إذ الحاكم وكيل عن المحكوم الذي يحق له عزله؛ إلى دين يدعو أتباعه اليوم إلى الخضوع للحاكم وعدم نقده علانية، وعدم التصدي لجوره، والصبر على ذلك مهما بلغ فساده وظلمه؛ إذ طاعته من طاعة الله ورسوله؟! كما يحرم على هذه الشعوب الحرة أن تقيم الأحزاب السياسية أو تتداول السلطة فيما بينها لو دخلت في الدين الجديد ؟!!"."

قلتُ: هذه العبارات المنتشية ، والمصطلحات الجميلة: ( الحرية - المساواة - العدالة الاجتماعية .. الخ ) تُطرب النفوس ، وتأسر الألباب مادامت في المخيلة ، لكنها عندما تنزل للواقع تحتمل أكثر من وجه ، منها الصالح ومنها غير ذلك . وهي - مع هذا - تشهد لمدى تأثر الدكتور بالفكر السياسي الغربي . كما سبق . فماكان ينبغي له أن يسير مع إطلاقاتها ، دون توضيح .

2-قال الدكتور ( ص 8 ) :"هذا وقد أخذت على نفسي والتزمت ألا أورد من الأحاديث إلا الصحيح، ولا من الأخبار والروايات التاريخية إلا المقبول، وقد اجتهدت في دراسة أسانيد الروايات التاريخية -مع ما في ذلك من عسر ومشقة- لأتجنب الروايات الموضوعة، فلم أورد من الأخبار التاريخية إلا ما كان صحيحاً أو مشهوراً بين المؤرخين؛ إذ للتاريخ والمؤرخين منهج يختلف عن منهج أهل الحديث في كثير من التفاصيل".

قلتُ: هناك من الحكايات والأخبار المشهورة بين المؤرخين ما هو في عداد الموضوعات والأكاذيب عند العلماء ؛ لأن غالب المؤرخين أصحاب"جمع"لا"تحقيق"، وقد نبه بعضهم إلى هذا في مقدمة تاريخه ؛ كالطبري . فشهرة الرواية وانتشارها في كتب أهل التأريخ لا يجعلها بمجرده صحيحة مقبولة ، وإلا لقبلنا روايات كثيرة لا أظن الدكتور يرتضيها . ومع هذا فقد خالف الدكتور شرطه كما يأتي - إن شاء الله - .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت