وفي هذه المرحلة نفى أنه نبي، وقال::إني ما أدعيت النبوة قط، ولا قلت لهم إني نبي، ولكنهم تعجلوا وأخطأوا فهم قولي.. وإني ما قلت للناس سوى ما كتبت في كتبي أي أني محدث وأن الله يكلمني كما يكلم المحدثين (6) . وقال:"لا نقول بوحي النبوة، ولكن نقول بوحي الولاية الذي يتلقاه الأولياء.. وبالجملة ليست هنا أيضاً دعوى النبوة وانما دعوة الولاية والتجديد (7) "
2 -المرحلة الثانية: ادعاؤه أنه المسيح الموعود
في المرحلة الأولى من أطوار دعوته كان الغلام أحمد يؤمن أن عيسى قد رفع إلى السماء حياً، وأن رفعه إلى السماء وعودته مرة أخرى لا تقتصر شواهده على ما ذكره الإنجيل، إنما قام على ذلك في الإسلام شواهد أقواها وأهمها عنده التواتر، وهو أن الأمة الإسلامية قد تناقلت هذه العقيدة جماعة عن جماعة إلى النبي، ولكنه عاد وناقض نفسه قائلاً::فمن سوء الأدب أن يقال أن عيسى (ع) ما مات.. بل هو توفى كمثل أخوته، ومات كمثل أهل زمانه، وأن عقيدة رفعه قد جاءت في المسلمين من الملة النصرانية (8) .
وفي أخر المرحلة الأولى جاءت إلى الغلام رسالة من صديق عمره الحكيم نور الدن يعرض عليه فيها أن يدعى أنه المسيح الموعود، وأنه لو فعل ذلك لاستقبله الناس بالتجلة والأكبار وأن الأحاديث الواردة في عيسى ورفعه ونزوله من السماء، بل والآيات القرآنية يمكن تأويلها بما يناسب دعوته. وقد انزعج الغلام انزعاجاً شديداً من هذا العرض وأدرك أنه ربما يعجل بسمعته، بل ربما يؤدي بحياته كلها، وأنه من الأفضل له أن يؤثر السلامة وأنه يكفيه من الناس ثقتهم به على أنه ولي مجدد مُلهم من ربه، ولقد عبر الغلام عن خلجات نفسه، ومكنون صدره في رسالته التي بعث بها إلى الحكيم نور الدين، والتي أسماها"الخالدة"وقال فيها:"لقد تساءل الأستاذ الكريم ما المانع من أن يدّعى هذا العاجر أنه مثيل المسيح وينحني في مصداق الحديث الذي جاء فيه أن المسيح ينزل في دمشق، وأي خطر في ذلك؟ فليعلم الأستاذ الكريم أن العاجز ليست له حاجة أن يكون مثيل المسيح، أن همه الوحيد أن يدخله الله في عباده المتواضعين المطيعين". ولكن نتيجة لخياله المريض وأحلامه الجامحة ودهاء الحكيم نو الدين، وتشجيع الإنجليز، أعلن أنه المسيح الموعود الذي بعثه الله من جديد" (9) ."
وفي البداية قال: إنه مثيل المسيح، وأنه لا مانع أن يأتي بعده عشرات المسحاء"أنا أدعيت أني مثيل المسيح، لا المسيح الموعود كما ظنه السفهاء... أنا لا أدعي قطعاً بأني المسيح بن مريم، بل الذي يقول هذا عني هو مفتر كذاب ودعواى أني مثيل المسيح تعني أن فيّ بعض خصال المسيح (ع) الروحانية وعاداته وأخلاقه التي أودعها الله في خُلقي، وأكد هذه بالقول::أنا ما أدعيت بأني أنا المسيح الموعود، ولا يكون بعدى مسيح آخر بل أعتقد وأكرر هذا القول بأنه من الممكن أن يجئ بعدي لا المسيح الواحد بل عشرات آلاف" (10) ثم بعد ذلك قال إنه المسيح الموعود"أقسم بالله الذي أرسلني والذي لا يفترى عليه إلا الملعونون، أنه أرسلني مسيحاً موعوداً (11) "
وأن"دعواى أني أنا هو المسيح الموعود الذي أُخبر عنه في جميع الكتب المقدسة بأنه سيظهر أخر الزمان" (12) وأعلن:"أن الله بعث من هذه الأمة المسيح الموعود الذي هو أعلى شأناً من المسيح السابق وسمي هذا المسيح غلام أحمد" (13) وقد كرر هذا الإدعاء كثيراً جداً في كتبه وخطبه ونكتفي بما سبق.
3 -المرحلة الثالثة: ادعاء النبوة:
قبل سنة1900م إنكر الغلام أنه نبي إنكاراً تاماً، ففي سنة 1892م كتب:"إني التمس من جميع المسلمين، أن الكلمات التي وردت في كتب هذا العاجز (كفتح الإسلام، وتوضيح المرام، وإزالة الأوهام) ، مثل: المحدث نبي ببعض معانيه، أو المحدثية نبوة ناقصة أو المحدثية نبوة جزئية"فليست هذه الكلمات بمحمولة على معانيها الأصلية، بل استعملت بسذاجة على وجوهها اللغوية، وألا فأني لا أدعي النبوة الحقيقة أبداً.. لهم أن يفهموا كلمة"المحدث"مكان النبي في كل موضع.. وليصوروها -أي كلمة النبي- منسوخة" (14) "
وقال:"لا شك أن الإلهام الذي أنزله الله على هذا العبد قد استعملت فيه بكثرة كلمات النبي، والرسولل، والمرسل بالنسبة لهذا العاجز، فليست هي بمحمولة على معانيها الأصلية... ولكن الله إذا شاء خاطب أحداً بكلمة النبي أو الرسول بمقتضى المعاني المجازية" (15)
ونفى أن تكون النبوة والرسالة بالمعنى الحقيقي"إنه وإن كان ألهم العاجز بالتواترخلال العشرين سنة الماضية، وقد وردت في هذا الإلهام كلمات الرسول أو النبي ولكنه يخطئ من يظن أن المراد بهذه النبوة والرسالة، النبوة والرسالة الحقيقيتين (16) "