فهرس الكتاب

الصفحة 15939 من 27364

فظهرت الوطنية المصرية والافتخار بمصر وبأمجاد مصر، وبالفراعنة وما قبل الفراعنة تأثراً بالذين ابتعثوا لفرنسا والذين تأثروا بفكرة الوطنية الفرنسية.

ونشأت في مصر دعوة قوية جداً إلى الوطنية، حتى كانت كل الأحزاب على اختلافها تدعو أو تفخر بالوطنية، فحزب الوفد، وسعد زغلول كان وطنياً، وكذلك مصطفى كامل كان وطنياً جداً رغم عداوته لسعد زغلول ورغم ما عنده من مسحة إسلامية، لكن كان هو الذي يقول: (لو لم أكن مصرياً لتمنيت أن أكون مصرياً) ، وكذلك أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وغيرهم من الشعراء كانوا شعراء وطنيين؛ قلّ أن تجد لهم شيئاً من الشعر الذي يفتخر بالعرب أو بالعالم الاسلامي إلا أحياناً، إنما الأصل عندهم في الفخر هو الوطنية ونوع من الامتزاج بالقومية، لكن لم تظهر ملامحه ولم تتضح في تلك المرحلة.

ثم ظهرت فكرة القومية العربية والقومية التركية، وأول من دعا إلى القومية العربية وأظهرها كقومية عربية هم النصارى العرب، وهؤلاء النصارى أكثرهم في بلاد الشام، أما الأقباط الذين كانوا في مصر فلم يكونوا يفكرون في قومية عربية، بل ولا حتى في وطنية مصرية، إنما كان همهم هو التبعية للغرب وللمستعمر.

والذي حدث أن الدولة العثمانية ضغطت على نصارى الشام وآذتهم، فهاجرت طوائف كبيرة منهم إلى مصر، وهناك أسسوا جريدة الأهرام ومجلة المقتطف وغيرها، وبدءوا يبثون الفكر القومي في مصر، فأصبح منتشراً في مصر إلى حد ما، وكذلك في بلاد الشام، وهي مقره، ولا سيما في لبنان؛ لأن النصارى كانوا في منطقة جبل لبنان، وهناك تركزت الفكرة أو الدعوة النصرانية القومية، وأيدها الغرب كما كتب برنارد لويس في كتابه:"الغرب والشرق الأوسط ."

وتبنى الغرب القومية العربية لتكون معولاً لهدم الإسلام، ليضرب بها الإسلام، فتختلف آصرة التجمع عند العرب والترك على الإسلام؛ فينفصلون عن الترك وعن الهنود وغيرهم، وتصبح القومية العربية فقط هي التي تجمعهم فيسهل تفتيتهم.

ولذلك كانوا يريدون تفتيت الدولة العثمانية بأي شكل من الأشكال، ففي الدول العربية أظهروا فكرة القومية العربية ونشأت منها جمعيات كثيرة: كجمعية العربية الفتاة وما تفرع عنها، والجمعية القحطانية، وجمعية العهد، والجمعية العربية ...إلخ، فأصبح النصارى العرب يتغنون بأمجاد الأمة العربية وبأشعار ومنشورات وكتب ألفوها.

وكذلك أصبحت الدعوة في تركيا إلى القومية الطورانية التركية، والذين دعوا إلى القومية الطورانية التركية كانوا من اليهود، وهذا شيء ثابت؛ حتى إن أحد المؤرخين الأمريكان اسمه واتسون يقول: (إنه لا يوجد أحد في حركة الاتحاد والترقي - الحركة القومية التركية - من أصل تركي حقيقي، وإنما هم من اليهود وغيرهم! - أي: يدعون إلى القومية التركية وليس فيهم رجل واحد من أصل تركي - والذين يدعون إلى القومية العربية ليس فيهم مسلم، وأكثرهم - أيضاً - أصولهم أعجمية ونصارى) .

أخطار الحركة القومية:

من هنا يجد الإنسان المفارقة، ويعلم أنها كانت كلها تهدف لتحقيق التمزق والفرقة بين المسلمين؛ لمعرفتهم بأخطار الحركة القومية في أوروبا التي قد عانت وذاقت الأمرَّين من الفكر القومي والتمزق القومي، فجاءت وصُدِّرت هذا الفكر إلى العالم الإسلامي، في حين بدأت هي تكون التحالفات والتكتلات الأممية والعالمية التي ظهرت في الحرب العالمية الأولى ثم في الثانية، وبعد الحرب العالمية الثانية انتهت القوميات في أوروبا واختفت.

والآن يريدون إخفاء الوطنيات تماماً لتصبح أوروبا أمة واحدة لا وطنية فيها فضلاً عن القومية، ولأنهم ذاقوا مرارة القومية فأرادوا أن يُصدِّروها لتفتيت العالم الإسلامي؛ فظهرت الدعوة الطورانية أو التركية، وأرادت أن تفرض اللغة التركية على جميع العرب، وفي المقابل ظهر الدعاة القوميون العرب - وأكثرهم من النصارى - ثم تبعهم الشيعة والدروز وأمثالهم - ينادون بالعروبة واللغة العربية والأمة العربية.

في الحرب العالمية الأولى كانت البداية عندما اتفق فيما يسمى اتفاقية سايكس بيكو على تقسيم الخلافة العثمانية بين دول الغرب، فجاءت الحركة القومية العربية وجيشت جيوشاً؛ وحاربت مع الإنجليز ضد الدولة العثمانية، فعندما أراد الصليبيون أن يدخلوا إلى القدس كانت رايتهم تضم جموعاً عديدة منها: الإنجليز، والعرب القوميون - الذين انضموا إلى الإنجليز في قتال إخوانهم في الإسلام"الترك"- ودخل الإنجليز القدس، وبانتهاء الحرب العالمية انتهت الخلافة العثمانية تماماً، وتمزق العالم الإسلامي، ونفذت اتفاقية"سايكس بيكو".

وظهرت الأفكار الوطنية والقومية، وكانت في مصر أكثر ما تكون وطنية، وأما في بلاد الشام فإنها كانت قومية. ثم تطورت الحركة القومية وجمعية العربية الفتاة - كما يسمونها - وحرصت على تأسيس رابطة قومية تجمع العرب، وبارك الغرب هذه الرابطة وشجعها؛ بل إن الذي اقترحها في الأصل كمنظمة هو"أنطونيا إيدن"الذي كان وزير خارجية بريطانيا، ثم أصبح رئيس وزراء بريطانيا، فاقترح فكرة إنشاء جامعة الدول العربية، فأنشئ بروتوكول الإسكندرية ثم جامعة الدول العربية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت