فهرس الكتاب
أولا: أرجع النسب العربي من نسب أسلاف القبائل المتفرقة إلى التوحد في"سلسلة النسب الإسرائيلية". وأعلن"أن العرب جميعا وقريشا خصوصا يعودون بجذورهم إلى نسب واحد، فهم برغم تحزبهم وتفرقهم أبناء لإسماعيل بن إبراهيم".
ثانيا: بعد"قراءة"للواقع العربي المتشرذم تمكن عبد المطلب من"تحديد الداء (المكي - العربي) ووصف الدواء. والداء فرقة قبلية عشائرية. والأسباب تعدد الأرباب وتماثيل الشفعاء."ومن هنا انطلق عبد المطلب يضع أسس فهم جديد للاعتقاد"و"انطلق يؤسس دينا جديدا يجمع القلوب عند إله واحد"."
ثالثا: وبإزالته أسباب"الفرقة القبلية"لم يكتف عبد المطلب -في رأي القمني- بتبشير قومه بـ"إمكان قيام وحدة سياسية بين عرب الجزيرة تكون نواتها ومركزها مكة تحديدا". لكنه عمل أيضا على ملء المساحة الفاصلة بين نقطة الوسيلة (الدين) ونقطة الغاية (الدولة) بحركة جماهيرية تكون بمثابة الجناح الديني للحزب الهاشمي. وهو ما حدث فعلا في رأي القمني"فقد آتت مخططات عبد المطلب ثمارها واتبعه كثيرون"كوّنوا حركة الحنفاء"حتى شكلوا تيارا قويّا، خاصة قبل ظهور الإسلام بفترة وجيزة". وكان عبد المطلب هو "أستاذ الحنيفية الأول"و"الرجل الأول" في هذا التيار.
رابعا: ولأن المشروع الإسرائيلي هو المرجع، ودولته"التي أنشأها النبي والملك داود"هي النموذج، ولأن عبد المطلب التزم في"استكماله للمهمة"وفي"وضعه للأيديولوجيا"الهاشمية بخطوط التجربة الإسرائيلية. فقد انتهى إلى"أنه لا حل سوى أن يكون منشئ الدولة (العربية) المرتقبة نبيّا مثل داود".
خامسا: بالوصول إلى حل"النبي الملك"أو"الملك النبي"كحل سبق تجريبه، وحقق توحيد"أسباط"اليهود في"دولتهم الغابرة". وليبقى أمر التنفيذ -كما في أمر التخطيط- محصورا في البيت الهاشمي. فقد ذهب د. القمني إلى أن عبد المطلب زعيم قريش وقائد الحزب الهاشمي سلّم عقله ويداه لـ"الحبر اليهودي"ليشاهد ويشهد"أن في إحدى يديه ملكا وفي الأخرى نبوة". وليرشده (بعد قراءة الكف) بحتمية زواجه من بني زهرة"لأن فيهم الملك والنبوة". وسارع عبد المطلب بالزواج -هو وابنه عبد الله- من بني زهرة في ليلة واحدة.
بالتحول "الانقلابي"و"الثوري" للصراع الهاشمي الأموي من صراع ساذج على"إطعام قريش الثريد"-كما في الخبر التراثي- إلى صراع حضاري غير مسبوق في التاريخ. وبوضعه لـ"الأيديولوجيا"الهاشمية استطاع عبد المطلب"ذاك العبقري الفذ"أن يغير -بجذرية- ليس فقط الواقع العربي الجاهلي. وإنما أيضا كل المستقبل الإنساني بدوره"التأسيسي"للدين (الحنيفية - الإسلام) وللدولة (العربية - الإسلامية) ولنبوة حفيده محمد !!
نعم في توثيقه لدور عبد المطلب"التأسيسي"للدين"التوحيدي"قطع القمني بأن ما ذهب إليه هو نفس ما يؤكده ابن كثير بما رواه عن عبد الله بن عباس عن"ديانة أبي طالب بن عبد المطلب: هو على ملة الأشياخ. هو على ملة عبد المطلب". وبالرجوع إلى مرجع القمني ("البداية والنهاية"- جـ 3 - 170) وجدنا ابن كثير في فصل"وفاة أبي طالب"وفي تعليقه على آية (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) يروي عن عبد الله بن عباس"أنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله أن يقول: لا إله إلا الله. فأبى أبو طالب أن يقولها. وقال: هو على ملة الأشياخ.. هو على ملة عبد المطلب".
ومن سياق ما رواه ابن كثير (وأخفاه القمني بقصد) نفهم أن الحفيد (عبد الله بن عباس بن عبد المطلب) روى أن عمه (أبو طالب) رفض أن يقول"لا إله إلا لله". وتمسك (ضد هذا القول التوحيدي) بملة الأشياخ (آباء البيت - الحزب الهاشمي) . وتحديدا بملة عبد المطلب التي حسب ظاهر وباطن السياق لا تقول (أي لا تؤمن) بلا إله إلا الله. ورواية الحفيد (ابن عباس) استشهد بها ابن كثير لتأكيد موقفه الذي سجله في أكثر من موضع في كتابه من أن"عبد المطلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية" (ج2 ص 285) .
ونضيف أن ما فعله القمني من تحريف لما رواه ابن كثير كرّر فعله مع ما نقله عن"السيرة الحلبية" (جـ1 ص73) في توثيقه لما أسماه بـ"علم عبد المطلب اليقيني بنبوة حفيده محمد"وسعيه لتحقيق هذا"اليقين"على أرض الواقع بالزواج من بني زهرة. وأيضا هذا التحريف هو ما فعله مع ما نقله عن كتاب"طوالع البعثة المحمدية" (للعقاد) في توثيقه لشرط"توحيد الأرباب"في أنه كمقدمة لازمة لـ"توحيد القبائل"في دولة، ولشرط"أن يكون منشئ الدولة المرتقبة نبيّا مثل داود".
وكل هذه الوقائع (وهي قليل جدّا من كثير جدّا) تؤكد تدخل القمني في نصوص مراجعه"ليجبرها" (بالتحريف والتحوير) على تمكينه (كماركسي - مادي) من تخييل عبد المطلب ليس فقط كقائد لـ"الحزب الهاشمي"في صراعه (الأسطوري) مع"الحزب الأموي". إنما -أيضا والأهم- لتخييله"كمؤسس"للدين (الحنيفية - الإسلام) وللدولة (العربية - الإسلام) . وكل هذا لحصر دور حفيده محمد بن عبد الله بن عبد المطلب في دائرة"التنفيذ".