4.إن السبيل الأوحد في إدارة الصراع مع اليهود, لإخراجهم من بيت المقدس وفلسطين هو قتالهم في سبيل الله، وإن من أعظم صور الجهاد، وأروع ضروب الاستشهاد، ما يقوم به شباب الجهاد في فلسطين من عمليات فدائية، أفزعت اخوان القردة والخنازير، وأقضّت مضاجعهم، حتى أبلغت قلوبهم حناجرهم. ولما كانت هذه العميات الجهادية تستوجب وجود عنصر بشري لإحداث التفجير، بسبب إحكم العدو للتدابير الأمنية، سواءً بتدريع جسم المجاهد بالمتفجرات، أو باقتحام الثكنات بعربة ملغّمة، أو بالسقوط عليها بطائرة مفخخة. فإن جماهير العلماء في عصرنا الحاضر قد نصوا على جواز ومشروعية هذه العمليات الفدائية، لعموم نصوص الكتاب والسنة المحرّضة على قتال الكافرين، بُغية الإثخان في أعداء الله، والانتصار للدين، ومن ذلك قول الله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) ، وقوله تعالى: (يقاتلون في سبيل الله فيَقتُلون ويُقتلون) وقرأ حمزة والكسائي وخلف بتقديم المفعول على الفاعل (فيُقتلون ويَقتُلون) ، وقوله سبحانه: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) ، وقوله عز وجل: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) ، ومن الأحاديث قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثلاثة يُحبهم الله -ذكر منهم- الرجلُ يلقى العدو في فئةٍ فينصُبُ لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه) ، وقوله صلى الله عليه وسلم (من خير معاش الناس لهم، رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه كلما سمع هيْعَةً أو فزعة طار عليه يبتغي القتلَ والموتَ مظانَّهُ) ، ولحديث الغلام في قصة أصحاب الأخدود، وذلك أنَّه علَّم ملك نجران كيف يقتله، وأنه لا سبيل لهم إلى قتله إلا بالطريقة التي دلهم عليها، فكان متسبباً في قتل نفسه، من أجل دخول دخول أهل تلك البلاد في دين الله، وكان ما أراد، حيث قالوا جميعاً: آمنا بالله رب الغلام. ومن المعلوم بداهة أن قتل الأعداء من أعظم المخاطرة، لما في ذلك من تعريض النفس للتلف..
الجود بالمال جود فيه مكرمة *** والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وإذا كان أكثر أهل العلم قديماً قد ذهبوا إلى مشروعية الاقتحام على العدو، والانغماس في صفوفه، مع تحقُّق الهلاك، وضعف العدة، وقلة العدد، بقصد النكاية بالعدو، وكسر عنفوانه، وفلِّ شوكته، وتوهين قناته، فإن الصورة العصرية أيضاً مشروعة لذات المقصد والغاية. قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني ـ تلميذ الإمام أبي حنيفة ـ رحمهما الله:"لو حمل رجل واحد على ألف من المشركين وهو وحده فلا بأس بذلك، إذا كان يطمع في النجاة، أو نكاية في العدو. وإن كان قصده إرهاب العدو، وليعلم صلابة المسلمين في الدين، فلا يبعد جوازه. وإن كان فيه نفع للمسلمين فتَلِفتْ نفسه لإعزاز الدين، وتوهين الكفر، فهو المقام الشريف الذي مدح الله تعالى به المؤمنين بقوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) ".
وصحح أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله جواز الاقتحام على العساكر لمن لا طاقة له بهم؛ لأربعة وجوهٍ: طلب الشهادة، ووجود النكاية، وتجرئة المسلمين عليهم، وضعف نفوسهم ليروا أن هذا صنع واحد فما ظنك بالجمع. ومن شواهد ذلك في السيرة: حمل سلمة بن الأكوع والأخرم الأسدي وأبي قتادة وحدهم رضي الله عنهم على عيينة بن حصن ومن معه، وقد أثنى صلى الله عليه وسلم فقال: (خير رَجّالتنا سلمة) . قال ابن النحاس:"وفي الحديث الصحيح الثابت أول دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده، وإن غلب علىظنه أنه يُقتل إذا كان مخلصاً في طب الشهادة كما فعل سلمة بن الأخرم الأسدي"، ومن المشهور أيضاً فعل البراء بن مالك في معركة اليمامة، فإنه احتُمِل في ترس على الرماح، وألقوه على العدو فقاتل حتى فتح الباب، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ، ومن ذلك أيضاً قصة أنس بن النضر رضي الله عنه في وقعة أحد، فقد قال:"واهاً لريح الجنة"، ثم انغمس في المشركين حتى قُتل .
ولا ريب أن البون شاسع بين من قتل نفسه جزعاً من الحياة و تخلصاً من آلامها كما في قصة قُزمان الذي نحر نفسه فاستعجل الموت ، أو ما يقع من حوادث انتحارية جراء المعيشة الضنك، وبين صورة ذلك الشاب المجاهد، الذي يقتل نفسه ليحيي أنفس الأجيال المسلمة من بعد ذلك (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) فحاشا لمثل هذه الصورة الفدائية المشرقة أن تكون مجرد حماسة فائرة، أو عزمة مفردة، أو تغريراً بأنفس متهورة في باطل فضلاً عن أن تكون انتحاراً أو قتلاً للنفس بغير حق. قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله:"إن التغرير في النفوس إنما جاز لما فيه من مصلحة إعزاز الدين بالنكاية في المشركين"، ونقل النووي الاتفاق على التغرير بالنفس في الجهاد .