فهرس الكتاب
إن من أسباب النظرة التخوفية من مسائل المواطنة ، ومن الاهتمام بقضايا المجتمع الذي يعيش فيه المسلم حدة مواقف القوميين ودعاة الوطنية الضيقة الذين تحولت عندهم إلى عصبية منافرة للإسلام وإلا فإن أولئك الدعاة الرافضين للوطنية والقومية بمفاهيمها العلمانية الغربية يعلنون أنهم لا ينكرون ما للأهل والعشيرة والأوطان من حقوق في رقاب أهلها؛ يقول المودودي بعد دحضه فكرة القومية الوطنية المنابذة للدين (ولكن لا يوهمنك ما قلنا إلى الآن أن الإسلام قد نفى كل العلاقات المادية والإنسانية بين أبناء النوع البشري وقطعها قطعاً باتاً . كلا ، فإنه قد أمر بصلة الرحم وشدد في النهي عن قطعها ، وأمر بطاعة الوالدين وبرهما والإحسان إليهما ، وأجرى الوراثة بين ذوي الأرحام وفضل ذوي القربى على غيرهم في الصدقات والبذل والإنفاق ، وأمر بالذود عن الأهل والمال والبيت، وأمر بقتال الظالم ، وقال: من قتل دون ماله وعرضه ، فهو شهيد ، وأمر بالبر لكل إنسان بدون الاعتبار بدينه ، والإحسان إليه وحسن التصرف معه في جميع شؤون الحياة . ولا يمكن أن يستخرج من أي حكم من أحكامه أنه ينهى عن خدمة الوطن وحفظه أو عن مسالمة الجار غير المسلم وبره( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة 8 .
فكل هذا من الاعتبارات الفطرية للعلاقات المادية وقد أباحها الإسلام وحث عليها المسلمين) (30) .
وقد يكون من أسباب التخوف أيضاً ما استقطب القوميون العرب إليه الإسلاميين في مواجهة الأولين لتيار الصحوة الإسلامية وهو مشكلة الأقليات غير المسلمة في بعض المجتمعات الإسلامية، والتلويح بها في وجه المناداة بتطبيق الشريعة الإسلامية بحجة أن في هذا هضماَ لحقوقهم وتفريقاًَ بين أهل الوطن الواحد، وهو الاستقطاب الذي على الرغم من وضوح عدم صدق القوميين في طرحه لأن دعوتهم القومية لم تراع حقوق الأقليات غير العربية ولم تكترث بها بل دعا بعضهم إلى إدماجهم بالقوة -على الرغم من ذلك - فقد انساق مجموعة من الكتاب الإسلاميين معهم فصارت قضية المواطنة لديهم محصورة في (حقوق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي) . ومع أننا لا نشك في حسن نواياهم ولا في جدية كثير من الاجتهادات التي قدموها في هذا المجال إلا أن هذا الانسياق جعل قضية المواطنة محصورة في فهم كثير من الناس في قضية الأقليات غير المسلمة ، ثم إنه شغلهم عن القضية الأصل وهي حقوق الأكثرية الساحقة وهم المسلمون الذين يبلغون أحياناًَ التسعين أو الخمسة والتسعين أو الثمانية والتسعين أو حتى المئة في المئة في بعض الدول كالمملكة العربية السعودية مثلاً.
وقد يكون التخوف آتياً من اللفظ الذي ارتبطت به هذه القضايا وهي لفظ (المواطنة) حذراًَ من تصور الوطن نفسه مصدر تلك الحقوق بجعله إلها مشرعاً بديلاً ، والحق هنا أن الوطن مجرد وعاء يجمع الناس ويتبادلون في إطاره تلك الحقوق والواجبات ، أما مصدرها فهو شيء آخر ؛ فلسفة ، أو دين ، يعيشه أفراد ذلك المجتمع ؛ فالمواطنة في الغرب ترتد إلى الفلسفة الليبرالية التي يمثل فيها الفرد وحدة مستقلة ، لحقوقها الاعتبار الأعلى وأهمها الحرية التي ينبغي أن تصان ما لم تكن خطراً على حريات الآخرين ، وعلى هذا تقوم النظم الديمقراطية ، أما في الإسلام فمصدر الواجبات والحقوق المتبادلة في المجتمع المسلم هو الإسلام بما وضعه من قيم خلقية ، وأحكام تعاملية بين الأفراد أو بين الحاكم والمحكوم .
أما تصور أن المواطنة تعني إقامة نمط من العلاقات الخاصة في وطن محدد يؤدي إلى انعزاله عن أمته الإسلامية وهمومها فهذا غير صحيح ؛ إذ إن موجهات الإسلامية التوسعية أسرة فعشيرة فمجتمعاً فأمة تمنع هذا ، بل أكثر من ذلك تجعل واجبات وحقوق الدائرة الأدنى صاعدة بالناس نحو ما فوقها من دوائر ، والتكامل البنائي الإسلامي في مجتمعَينِ من مجتمعات المسلمين يؤدي تلقائياًَ إلى تماثلهما ومن ثم تقاربهما وتوحدهما في المسار الحضاري ، وهذه أوربا بقومياتها الوطنية الضيقة استطاعت أن تذيب ما بينها من جليد وأن تتوحد شيئاً فشيئاًَ (31) .
والله الموفق ،،،
الهوامش
1-أبو الحسن الندوي - ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين212 .
2-المصدر السابق .
3-انظر محمد العدناني - معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة 725.
4-مفهوم المواطنة في الدولة القومية. على الكواري - مجلة المستقبل العربي عدد 2 - 2001 ص 66.
5-ما كيفر تكوين الدولة نقلاً عن الكواري - مصدر سابق (117) .
6-هاني لبيب في تعليق على كتاب (مبدأ المواطنة) المستقبل العربي مايو 2000 ص 245 .
7-انظر عبد الوهاب الأفندي - إعادة النظر في المفهوم التقليدي للجماعة السياسية- مجلة المستقبل العربي - عدد 2 -2001 ص 152 .
8-وقد تابعه على ذلك بعض المفكرين العرب - انظر الأفندي مصدر سابق 144.
9-الأفندي مصدر سابق 145.
10-المواطنة في زمن العولمة - السيد يس 21.