فهرس الكتاب

الصفحة 16224 من 27364

وبين العربية والطبيعة صلة وثقى، فالأجسام في الطبيعة على كثرتها ترجع إلى عناصر بسيطة محدودة العدد تتشابه وتختلف بحسب تشابه تركيب مادتها واختلافه. وكذلك اللغة العربية ترجع كلماتها التي لا تكاد تحصى إلى عناصر محدودة ثابتة هي الحروف. وفي الطبيعة تشابه ونمطية وتكرر، فللشجرة مهما كان نوعها أوراق وأغصان جذع وثمر. وفي اللغة أيضاً تشابه بين أبنية الفاعلين والمفعولين والمكان والزمان. ولكل فرد من أفراد الجنس الواحد في الطبيعة ذاتيته مع مشابهته لسائر أفراد الجنس. وكذلك للفظ ذاتيته مع مشابهته لسائر الألفاظ المشتركة معه في الأصل أو البناء والصيغة. وفي الطبيعة تسلسل وتوارث يقابله تسلسل وتوارث في اللغة. وفي الطبيعة محافظة وتجديد، وكذلك في اللغة محافظة وتجديد أيضاً .

4 -التعريب:

يتشابه نظام العربية مع نظام المجتمع العربي. فكما يرتبط أفراد المجتمع العربي وقبائله بصلات القربى والنسب والتضامن والتعاون، ترتبط ألفاظها في نسق خاص في حروفها وأصواتها، ومادتها وتركيبها ، وهيئتها وبنائها .

وحين يدخل غريب على المجتمع فلا بد له لكي يصبح عضواً فيه من أن يلتزم بأخلاقه وعاداته، فكذلك اللفظة الأعجمية إذا دخلت يجب أن تسير على أوزان العربية وهيئاتها وصيغها لكي تصبح عضواً كامل العضوية في الأسرة اللغوية .

ويُستعمل في العربية مصطلح التعريب بينما في اللغة الأجنبية استعارة emp r unt. والتعريب أحد مظاهر التقاء العربية بغيرها من اللغات على مستوى المفردات.

وكانت الألفاظ الدخيلة في العصر الجاهلي قليلة محدودة تتصل بالأشياء التي لم يعرفها العرب في حياتهم. وهي محصورة في ألفاظ تدل على أشياء مادية لا معنوية مثل: كوب - مسك - مرجان - درهم.. وتعود قلة الدخيل إلى سببين: انغلاقهم على أنفسهم واعتدادهم بأنفسهم وبلغتهم .

أما بعد الإسلام فقد اتصلت العربية باللغات الأخرى فانتقلت إليها ألفاظ جديدة تتعلق كلها بالمحسوسات والماديات مثل أسماء الألبسة والأطعمة والنباتات والحيوان وشؤون المعيشة أو الإدارة. وقد انعدم التأثير في الأصوات والصيغ والتراكيب .

إن هذا الداخل على الغالب لم يبق على حاله بل صيغ في قالب عربي، ولذلك كانت المغالاة والإكثار من الغريب وفسح المجال من غير قيد مظهراً من مظاهر النزعة الشعوبية في الميدان اللغوي قديماً وحديثاً .

وكانت طريقة العرب في نقل الألفاظ الأجنبية أو التعريب تقوم على أمرين:

أ - تغيير حروف اللفظ الدخيل، وذلك بنقص بعض الحروف أو زيادتها مثل:

برنامه ـــــــــــــــــــــ> برنامج - بنفشه ـــــــــــــــــــــ> بنفسج

أو إبدال حرف عربي بالحرف الأعجمي:

بالوده ـــــــــــــــــــــ> فالوذج - برادايس ـــــــــــــــــــــ> فردوس

ب - تغيير الوزن والبناء حتى يوافق أوزان العربية ويناسب أبنيتها فيزيدون في حروفه أو ينقصون، ويغيرون مدوده وحركاته، ويراعون بذلك سنن العربية الصوتية كمنع الابتداء بساكن، ومنع الوقوف على متحرك ، ومنع توالي ساكنين ...

وأكثر ما بقي على وزنه وأصله من الألفاظ هو من الأعلام: سجستان - رامهرمز..

أما دليلهم إلى معرفة الدخيل فهو إحدى ثلاث طرق:

أ - فقدان الصلة بينه وبين إحدى مواد الألفاظ العربية:

بستان: ليس في العربية مادة بست .

ب - أن يجتمع فيه من الحروف ما لا يجتمع في الكلمة العربية:

ج ق جوسق - ج ص جَِصّ - ج ط طازج ...

ج - أن أن تكون على وزن ليس في العربية:

إِبْرَيْسَم إفعيلل - آجر فاعُلّ ..

(أحسن الحرير )

5 -خصائص معاني الألفاظ العربية:

تقوم طريقة العربية في وضع الألفاظ وتسمية المسميات على الأمور التالية:

أ - اختيار صفة من صفات الشيء الذي يراد تسميته أو بعض أجزائه أو نواحيه أو تحديد وظيفته وعمله واشتقاق لفظ يدل عليه .

ب - تحتفظ العربية بالمعاني الأصلية الدالة على أمثال هذه المسميات ، فألفاظها معللة على عكس غيرها من اللغات التي لا تحتفظ بهذه المعاني .

ج - الإشارة إلى أخص صفات المسمى وأبرزها أو إلى عمله الأساسي ووظيفته، على عكس اللغات الأجنبية التي تشير إلى ظاهره وشكله الخارجي أو تركيبه وأجزائه. فمثلاً تسمية الدراجة في العربية تشير إلى وظيفتها وعملها وحركتها. أما في الفرنسية فإن bicyclette (ذات الدولابين) تشير إلى أجزائها وتركيبها وحالتها الساكنة. ومثل ذلك السيارة التي تشير تسميتها إلى عملها بينما في الفرنسية كلمة automobile تعني المتحرك بنفسه.

ويظهر تفكير العرب وحياتهم واضحين جليين في مفردات لغتهم، فكلمة العامل، مثلاً بعد الإسلام، أخذت معنى الوالي والحاكم، وهذا يدل على أن الولاية عمل من الأعمال وليست استبداداً، وأن الحكم تكليف وليس تشريفاً. ولفظ ( المرأ ) للمذكر و (المرأة) للمؤنث يدل على تساوي الرجل والمرأة عندهم في الأصل. والمروءة هي الصفات المستحسنة المأخوذة من أخلاق الإنسان ذكراً كان أو أنثى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت