فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله، يُذهب عنهم مذموماتِ الأخلاق ويأخذهم بمحمودها، ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق، تَمَّ اجتماعُهم وحصل لهم التغلب والملك، وهم مع ذلك أسرع الناس قبولا للحق والهدى، لسلامة طباعهم من عِوَج الْمَلَكات وبراءتها من ذميم الأخلاق، إلا ما كان من خلق التوحش القريب المعاناة المتهيئ لقبول الخير ببقائه على الفطرة الأولى، وبُعدِه عما ينطبع في النفوس من قبيح العوائد وسوء الملكات فإن كان مولود يولد على الفطرة كما ورد في الحديث وقد تقدم...""
وابن خلدون يتمتع بصفات وخلال، تؤهله لمثل هذا التحليل:
فهو أولا عربي أصيل، لأنه يمني حضرمي، لا يستطيع أحد اتهامه بعنصرية أو معاداة للعرب...
وهو ثانيا مسلم متحمس لدينه، كما يظهر مما كتبه في هذه المقدمة وفي تاريخه، فلا يستطيع أحد اتهامه بعدم المبالاة بما يكتب ويقول...
وهو ثالثا مؤرخ اجتماعي، يجمع بين الاطلاع على سجلات تاريخ الأمم وتحليلها اجتماعيا...
وهو رابعا محلل سياسي، يراقب تصرفات الساسة وتدابيرهم، بانيا تحليله على الربط بين التدبير ونتائجه.
ليس المقصود الحط من شأن جنس العرب
ولست ناسيا ما ذكره ابن تيمية رحمه الله، من فضل جنس العرب في الجملة، فلهم فضلهم في النسب والنجدة والشهامة والشجاعة والكرم وغيرها، فقد قال رحمه الله:
"فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم عبرانيهم وسريانيهم رومهم وفرسهم وغيرهم، وأن قريشا أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن رسول ا صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق نفسا وأفضلهم نسبا."
وليس فضل العرب، ثم قريش ثم بني هاشم، بمجرد كون صلى الله عليه وسلم منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك ثبت لرسول ا صلى الله عليه وسلم أنه أفضل نفسا ونسبا وإلا لزم الدور" [اقتضاء الصراط المستقيم (1/148) ] "
ثم ذكر حديث سلمان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك، قلت يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله؟ قال"تبغض العرب فتبغضني) [اقتضاء الصراط المستقيم (1/155) والحديث قال فيه الترمذي:"
حديث حسن غريب..."وقال الحاكم المستدرك (4/96) : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه]"
والمقصود من هذا الفضل، ما يتميز به جنس العرب عن غيرهم، من الخلال الطبيعية التي جبلوا 'ليها، ولكل جنس من أجناس البشر ميزات تخصهم، كما يتميز بعض الأفراد من كل جنس أو قبيلة أو أسرة عن بعضهم.
ولكن تلك الخلال التي تتحلى بها الأجناس والشعوب والجماعات والأسر والأفراد، قد تتغير وتستعمل في غير موضعها، كالشجاعة الممدوحة التي قد تنقلب إلى تهور وعدوان مذمومين، والكرم الممدوح الذي قد ينقلب إلى إسراف مذموم، والنسب الشريف الذي قد ينقلب إلى تعصب ممقوت وكبرياء مذمومة...
والذي يضبط ذلك كله هو الميزان الشرعي الذي قال الله تعالى فيه: ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ? [الحجرات]
وفي حديث أبي هريرة قَال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم (ان الله عز وجل قد أذهب عنكم عُبِّيَة الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، والناس بنو آدم وآدم من تراب، لينتهين أقوام فخرهم برجال، أو ليكونن أهون عند الله من عدتهم من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن) [المسند (2/361) و الترمذي (5/734) وحسنه]
وعن أبي نضرة: حدثني من سمع خطبة رسول ا صلى الله عليه وسلم ، في وسط أيام التشريق، فقال (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، إلا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى. أبلغت؟) قالوا بلغ رسول ا صلى الله عليه وسلم ... قال ليبلغ الشاهد الغائب)[المسند (5/411) مجمع الزوائد (3/266 ، 267) وقال:"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ، وعن ابن عمر قال: نزلت هذه السورة على رسول ا صلى الله عليه وسلم وهو بمنى في أوسط أيام التشريق"
وما ذكره ابن خلدون رحمه الله أمر ثابت دل عليه القرآن:
?وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) ? [آل عمران]
قال القرطبي رحمه الله في تفسير الآية:"أمر تعالى بتذكر نعمه وأعظمها الإسلام، واتباع نبيه محمد عليه السلام، فإن به زالت العداوة والفرقة، وكانت المحبة والألفة، والمراد الأوس والخزرج والآية تعم" [تفسير القرطبي (4/164) ]