فهرس الكتاب

الصفحة 1630 من 27364

دارسو السياسة الخارجية الأمريكية يعلمون أنها تعتمد على المدرسة السلوكية وما بعد السلوكية، وهي في جوهرها تقوم على ما يعرف بـ «الخصائص القومية للشعوب» أي تغيير الطبيعة القومية والنفسية للشعوب، وقد نجحت في ذلك مع ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وهي تشن حرباً نفسية على العالم الإسلامي عن طريق محاولة تغيير خصائصه؛ لكن العقيدة الإسلامية هي التي تحفظه وتقف به صلباً أمام موجات العولمة الحديثة كما وقفت أمام موجات الحرب الصليبية والتبشير والاستشراق والاستعمار «الاستخراب» ومن ثم فالحرب الحضارية بين أمريكا والغرب من جهة والعالم الإسلامي من جهة أخرى هي حرب عقيدية حول الأساس وحول القضايا الثابتة، وهي حرب تضرب في الجذور، وسوف تسعى أمريكا بشكل أساسي لتجنيد العملاء، لكنهم هذه المرة من قلب المحتل الذي تريد أن تحطمه كما قال «زويمر» من قبل: «الشجرة لا يقطعها إلا أحد أبنائها» فالعملاء لن يكونوا يساريين أو علمانيين؛ لكنهم سيكونون من علماء الدين والمتخصصين في العلوم الشرعية من المفتين والقضاة والرؤوس في علوم الإسلام، وأمريكا سوف تمنح وتعطي وتغري وتخاتل وتبدو كالمسيخ الدجال الذي يتلاعب بظواهر الأشياء ويقلب المسميات ويصور للناس أنه يملك الجنة والنار، وهي تقول: «من ليس معنا فهو ضدنا» ؛ لذا فالأمر خطير؛ وليحذر كل امرئ وخاصة العلماء من فتنة أمريكية عمياء، القابض فيها على دينه وعلى الحق كالقابض على الجمر. إن الدهشة سوف تلجمنا إذا علمنا أن مؤسسة تسمى «كير» تتبع المخابرات المركزية الأمريكية هي التي تقوم بالتخطيط للمناهج في وزارة التربية والتعليم المصرية.

والدهشة ستمسك بتلابيبنا إذا علمنا أن وفد الـ F. B. I قد التقى شيخ الأزهر، ووفود الكونجرس تلتقيه للاطمئنان على مناهج الأزهر.

ونورد ما قاله وزير التعليم المصري في حوار مع إحدى الصحف قال: «المناهج الدينية تتم صياغتها بإشراف شيخ الأزهر وهو رجل لا يستطيع أحد التشكيك في استنارته وتقدمه، وهو يعلن مسؤوليته دائماً عن كل ما يدرس من تربية دينية داخل وزارة التربية والتعليم، وشارك بنفسه في دورة تدريبية لمدرسي التربية الدينية بالوزارة؛ وبالفعل تم تغيير الكثير من هذه المناهج حتى يمكن صياغة عقل الإنسان الجديد غير المتطرف؛ وذلك لأننا نعتقد أن العقل هو جوهر الإسلام وعشرات الآيات تحض على العقلانية وإعمال العقل والفكر وقبول الآخر والتسامح والأخلاق والتكامل والرحمة» وهذا بالفعل هو ما تريده أمريكا، ونحن نندهش ونتساءل: وهل كانت الوزارة قبل هذا الوزير ومنذ وجدت وزارة التعليم في داهية عمياء بلا عقل ولا فكر ولا قبول الآخر ولا التسامح معه؟ وهل كان الطلاب لا يعرفون كل هذا؟ لكنها الأجندة الأمريكية الجديدة، حين يرتبط العقل والتسامح بها فإنها تعني عقلاً خاصاً وتسامحاً خاصاً تجاه أعداء هذه الأمة وتجاه تاريخها. ومن الإنسان غير المتطرف؟ «أي الإنسان الأمريكي، الإنسان الشرق أوسطي الذي لا يشعر بالهوية ولا يعترف بالقيم وإنما يؤمن فقط بالمصلحة إنسان البراجماتية والنفعية.

وتدرك أمريكا ويدرك الغرب معها أن التعليم في أوروبا كان المدخل للسيطرة على الفرد وعلى الأمة، وكان أساس بناء الدولة القومية العلمانية في أوروبا؛ ففكرة العلاقة بين الهيمنة والتعليم في الغرب أساسية؛ لذا فهم يحاولون الهيمنة والسيطرة والإخضاع عبر التعليم، عبر تغيير مناهج التعليم الديني في مصر والسعودية وباكستان واليمن؛ وعبر القضاء على المدارس الدينية والجمعيات الخيرية التي تدعمها.

وذلك يعني محاولة تدجين المجتمع الأهلي الإسلامي الذي يمثل قاعدة نبض الأمة وحيويتها.

ويغري أمريكا بهذا صداقتها لهذه البلدان؛ لأنها تحاول توظيف هذه الصداقة عبر ترويج فكرة السلام، في اختراق وتسميم هذه المجتمعات الإسلامية.

وهنا فالخطر داهم على الأمة حكاماً وشعوباً؛ ولذا يجب على الكل أن يستيقظ ويرفض المساومة على الثوابت أو التلاعب بالعقائد، وعلى الجميع أن يعرف أن روح الأمة أقوى من كل شيء، والحمد لله أن هذه الهجمة الأمريكية واكبت في الأمة حياة ووعياً مؤثراً، وأجيالاً جديدة حية تدرك وتسعى.

{ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } . [يوسف: 21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت