فهرس الكتاب

الصفحة 16461 من 27364

وعادة ما تبدي الفصائل الشيعية اتفاقاً نسبياً فيما بينها تجاه قضية محورية كما حدث في الانتخابات السابقة ؛ حيث شارك أغلب الشيعة ضمن قائمة الائتلاف التي يدعمها السيستاني، ولكن بمجرد أن انتهت الانتخابات حتى تلاشى هذا الاتفاق المصلحي الى حد ما فظهرت الصراعات داخل الكتلة الواحدة كما في قضية ترشيح رئيس الوزراء واقتسام الكعكة عند المنافسة على المناصب الوزارية وما حصل عقب ذلك من انسحاب حزب الفضيلة ؛ ومما يؤكد ذلك أنه قبل الاحتلال الأمريكي للعراق كان هدف إسقاط صدام هو تقريباً الشيء الوحيد الذي يجمع هذه الفصائل الشيعية، وبعد الاحتلال مباشرة لم يعد ذلك الشيء الذي يوحدهم موجوداً، ومن ثم اشتعلت حرب تنافسية شديدة بين هذه الفصائل؛ فقد تدافعت عناصر فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى من إيران، ودخلوا إلى العديد من المدن الجنوبية، وشكلوا لجاناً ثورية بالاستعانة بالخبرة الإيرانية عند بداية ثورة الخميني، واحتلوا مباني وإدارات حكومية، وقاموا بإبعاد السنة من الوظائف، ودفعوا رواتب للطلبة والعلماء والشباب لكي ينظموا تظاهرات تعلن تأييدها للحكيم. وفي نفس الوقت سارع تيار الصدر إلى منافستهم بتأسيس العديد من المراكز والفروع التابعة له، وأغدق الأموال على الموظفين الحكوميين، ونشر ميلشيا مسلحة في بعض المناطق بحجة حفظ الأمن، وظل الصراع بين الطرفين قائماً إلى الوقت الحالي، وقد وجه تيار الصدر اتهامات صريحة إلى فيلق بدر بتقديمه دعماً مباشراً لقوات الاحتلال في صراعها مع جيش المهدي التابع له، كما أعلن علي سميسم المتحدث باسم مقتدى الصدر أن هناك أطرافاً شيعية تحيك مؤامرة ضد تيار الصدر وسمى منها صراحة المجلس الأعلى وحزب الدعوة، ولكنه لم يحدد طبيعة المؤامرة. والطريف هنا أن حزب الدعوة أسسه المرجع الشيعي محمد باقر الصدر أحد عمومة مقتدى، ولكن حدثت انشقاقات في الحزب بعد اغتيال مؤسسه أخرجته عن سيطرة عائلة الصدر.

وعلى صعيد التحالفات المتناقضة، على سبيل المثال؛ فإن المجلس الأعلى بزعامة الحكيم تأسس في إيران وتلقى دعمه الرئيس من نظامها، وفي الوقت نفسه ظل يحتفظ بعلاقات قوية مع الأمريكيين؛ بل إن عبد العزيز الحكيم زعيم المجلس كان يتولى لسنوات طويلة من الكويت مهمة التنسيق مع الجانب الأمريكي في جهود إسقاط نظام صدام، ولكن عندما تحقق لهم ما يريدون بغزو العراق أعلن باقر الحكيم مؤسس المجلس إدانته للهجوم الأمريكي، وحذر الأمريكيين من المقاومة المسلحة إذا بقوا في العراق بعد صدام، وبالنسبة للسيستاني فقد امتُدح من قِبَل المسؤولين الأمريكيين لأنه اتخذ موقف الحياد الإيجابي من الاحتلال؛ بينما كان في سبتمبر/ أيلول عام 2002م قد أصدر فتوى يقول فيها إن من يساعد الأمريكان سيحيق به العار في الدنيا، ويلقى العقاب في الآخرة.

هذا قبس من التناقضات التي يعاني منها الشيعة في علاقاتهم الحزبية بصورة عامة، ولو ألقينا نظرة رأسية على نماذج من التيارات والقيادات الشيعية فسنجد التناقضات نفسها مترسخة داخل التيار الواحد وفي مواقف الزعامة الواحدة، ونأخذ مثالين: تيار الصدر، وتيار السيستاني.

نبدأ بتيار الصدر الذي سبق بيان تراجعه ولو ظاهرياً عن مطلب «المرجعية العراقية» لصالح إيران، وانتفاضاته التي ينفذها أتباعه تنتهي في الغالب بتحقيق رغبات لم تنشأ الحاجة إليها إلا بتأثير الانتفاضة، لتنتهي المواجهات دون أن يعلم أحد لماذا بدأت أو لماذا انتهت؟ وأسرف مقتدى في إطلاق التصريحات الرنانة التي يتراجع عنها بعد ذلك؛ فعندما كان متحصناً في النجف مع أتباعه صرَّح للصحفيين: «لن أخرج منها، وبقائي هنا مدافعاً عن المدينة؛ لأنها أشرف المدن، وسأبقى فيها حتى آخر قطرة دم» . وقال موجهاً الخطاب لجيش المهدي: «من يريد أن يبقى فأهلاً وسهلاً به، والذي يريد الذهاب فأهلاً وسهلاً به أيضاً» . لكن لم يلبث مقتدى الصدر بعد أيام قليلة أن خرج من النجف، وقال مخاطباً أتباعه: «إلى كل فرد من أفراد جيش المهدي الذين ضحوا بالغالي والنفيس» فدعاهم أن يوقفوا القتال وأن: «يرجعوا إلى محافظاتهم للقيام بواجباتهم وما يرضي الله ورسوله وأهل البيت» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت