أما بعد الاحتلال فقد انشغلت الأحزاب بالتنافس والتناحر فيما بينها، تاركين الاستعمار يتحكم في البلاد على هواه! هذا غير أن أكثرهم كان يحاول تقديم الخدمات للاستعمار ليكسب من دعمه! فعبده مثلاً كان يتبرع بتقديم الخدمات لكرومر ؛ مثل تقديم لائحة إصلاح التعليم له التي فيها يدل عبده الإنكليز على كيفية السيطرة على المصريين المسلمين من خلال الدين! ولائحة تنظيم إدارة البلاد التي يقترح فيها منح الإنكليز سلطات أوسع وتجريد الخديوي من أية سلطة مهما كانت، وعلى مثل ذلك جرى حزبه ومن جاء بعدهم .
ومن تبعية هذه الأحزاب للدول الأوروبية أنها أصبحت أدوات تستخدمها هذه الدول في مناهضتها لبعضها البعض، تماماً كما فعل الأفغاني وعبده من خلال العروة الوثقى إذ هاجما إنكلترا بدعم من فرنسا متغاضين عن استبداد فرنسا في البلاد العربية، وانقطع صوتهم الهادر ضد الإنكليز حال اصطلاح الطرفين، فرنسا وإنكلترا، بتوقيع معاهدة بينهما اتفقا فيها على تقسيم مناطق النفوذ بينهما!!
وكذلك حدث بعد ذلك واستمر حتى يومنا هذا، فعندما ضرب الفرنسيون عام 1925 دمشق بالمدافع فتركوا شوارعها وقصورها خراباً وأعملوا في ثوارها تقتيلاً حتى بلغ عدد القتلى من السوريين نحوًا من عشرة آلاف شهيد ، لم تثر هذه النكبة في نفوس مدعي القومية والوطنية من السوريين المتواجدين في مصر من مشاعر الغضب ما يجعلهم يهاجمون فرنسا أو يلومونها ، فهؤلاء -كما يقول محمد محمد حسين- وأمثالهم في مصر لا يتحدثون -إن تحدثوا- إلا عن ضحايا الاستعمار الإنجليزي، أما ضحايا الاستعمار الفرنسي فهم يغمضون أعينهم عنه ،فإن اضطرتهم الظروف للكلام استعانوا بكل ما رزقوا من لباقة ولم يفصحو . وحتى عندما تقوم بعض الأحزاب الأخرى بحل ما عقده الأول، كما حدث مع الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل مع عبده وحزبه، حزب الأمة، من بعده ومع الوفد وسعد زغلول وغيرهم بعد ذلك، حتى هذا الحزب المعارض نفسه لا يستطيع العمل مقابل هذه الأحزاب الموالية للمحتل والمدعومة من قبله إلا إن وجد له من يدعمه من الخارج، ولهذا نجد أن مصطفى كامل وحزبه مثلاً حاولوا دائماً الاتكال على دعم فرنسا لهم ، خاصة بعد تولي الاتحاد والترقي الأمر في الدولة العثمانية .
وهكذا استطاع المحتل بواسطة الأحزاب -الديمقراطية !- أن يكرس احتلاله ويجعله أسهل وأرخص ، كما كان احتلاله بفضل الأحزاب كذلك . وبدلاً من أن تجتمع كلمة الأمة ضد المحتل تفرقت بين الأحزاب المتنافسة التي اشتدت مع الأيام منافستها حتى صارت بعد عام 1923 في مصر مثلاً إلى حد لم يعد فيه هم الأحزاب وهدفهم بلوغ السلطة في البرلمان، بل التنديد بخصومها وإسقاطهم عبر الغوغائية بالتحريض حتى لو كانت النتائج تناقض المصلحة العامة، وكثيراً ما انهمك الزعماء السياسيون في تبادل الشتائم والسباب والمهاترات متهمين بعضهم البعض بالخيانة والنفاق مما أدى إلى زعزعة ثقة الناس بجميع الزعماء إلى حد كبير ، ولم تحل سنة 1952 حتى كانت المهاترات وفوضى الخلافات الحزبية قد بلغت قمتها، وزاد الأمر سوءاً أن الشعب نفسه قد تقسمته أهواء الأحزاب التي يزعم كل منها أنه ينطق باسمه، وهي جميعاً أحزاب مصطنعة لا مبرر لوجودها ، فكلها قد وجدت لأسباب شخصية، ولا فرق بين برامجها، لأنها جميعاً متولدة عن حزب الأمة، وقد بدأت جميعاً مستندة إلى العصبيات وإلى أصحاب المصالح من كبار الملاك .
ولم يقتصر دور الأحزاب على تسهيل الاحتلال وتكريسه ، وإنما استمر دورها في خدمة مصالح الاستعمار بعد الجلاء والاستقلال ، وذلك إذ صارت تعمل على إدامة التبعية بكل أشكالها للاستعمار ، ولم يأت عملها هذا بالصدفة!! وإنما جاء نتيجة تخطيط مسبق من قبل المحتل الذي أجرى خلال احتلاله عملية مسح للأفكار والنزعات والآمال والأهداف السائدة في الوطن، ولما أدخله من أفكار وقيم ونزعات، ولما كان سائداً في العالم من نزعات عالمية كالاشتراكية والشيوعية والفابية الخ.. التي كان من المتوقع لها أن تسود، ثم قام بصهر كل ذلك وصبه في القوالب التي يريد، فشجع تأليف الأحزاب المختلفة الأسماء والاتجاهات، منها ما هو قومي ومنها ما هو اشتراكي ومنها ما هو ديمقراطي ومنها ما هو شيوعي الخ.. ولكن الحزب القومي هذا يدعو إلى ذلك المفهوم من القومية الذي يريده الاستعمار والبعيد كل البعد عن كل مقومات الأمة وكل ما يشكل شخصيتها.