فهرس الكتاب

الصفحة 16620 من 27364

وبدأ سعد يدافع عن الامتيازات الأجنبية ويشيد بالأعمال الجليلة التي تقوم بها الحكومة الإنكليزية، ولكنه مات ولم يمهله الأجل ليحقق ما كان الإنكليز قد عقدوا عليه من آمال، وفوت موته على الإنكليز فرصة كبيرة في الاستفادة من استثمارهم فيه، ولذلك قال نيومان متأسفاً على موته:"كان من الممكن أن يكون سعد زغلول عاملاً قوياً في هذه الفترة من العلاقات المصرية الإنجليزية"، وقد كان هناك أدلة لا تحتمل إلا قليلاً من الشك على ما ذهب إليه اللورد لويد والحكومة الإنجليزية من انتظار معونته وعطفه، وقد كان عطف زغلول على وجهة النظر الإنجليزية يعني عطف المصريين جميع ) .

( وكون الديمقراطية والحزبية نبتة أجنبية لا يحتاج منا إلى دليل فهي لم تدخل كفكرة وكممارسة إلا مع أوائل الغزو الأوروبي الذي تمثل أول الأمر بالمدارس الأجنبية والإرساليات التبشيرية ومن ثم الماسونية وما نسخ عنها من الأحزاب، فالعراق مثلاً لم يعرف الحياة الحزبية العلنية إلا في عهد الانتداب الإنكليزي عام 1921-1932 وتألفت عشرة أحزاب لم تدم طويلا حتى أن مواد القانون الأساسي الذي نص على أن السيادة للأمة ووضع مواد لحماية حقوق الشعب الأساسية كانت مترجمة عن الإنكليزية وأن القانون وضع نتيجة معاهدة فرضتها بريطانيا على العراق ، ولم يدخل الإنكليز الديمقراطية إلى البلاد حرصاً على مصالح الأمة وحكمها لنفسها! كما قد يعتقد البعض ، بل العكس ؛حتى يحكموا سيطرتهم عليها ويسيروها باسم الديمقراطية كيفما شاءوا. أدخلوها لأنها مهزلة ليس إلا، وقد وصفها السر ارنولدويلسن، نائب الحاكم المدني في العراق 1918-1920 كذلك ؛ إذ كتب مقالة عام 1936 إثر انقلاب بكر صدقي في العراق قال فيها:"حررناهم من حكم الأتراك الخفيف الوطء والكسول حينما احتللنا العراق بقصد منع الألمان من الوصول إلى الخليج، ولقد حملناهم على تبني نظام برلماني، بمجلسين أعلى وأدنى، وانتخابات دورية، في وقت كان الأتراك والإيرانيون قد ألغوا فيه برلماناتهم باعتبارها سبب دمارهم، لقد أخذنا العراق من الأتراك الذين لهم تقاليد الحكم وخبرته، وأودعناهم أناساً ليس لهم حظ من أيهما"وبعد أن يلوم بريطانيا يقول عن الانقلاب:"...وهذا الانقلاب يعني نهاية مهزلة الحكومة البرلمانية في العراق"، ومهزلة الديمقراطية التي أرسى دعائمها الاستعمار الإنكليزي تظهر في الاستفتاءات التي أجراها في أول أمر الاحتلال ليعطي الشرعية لأعماله. فقد أجري استفتاء شعبي! شبه رسمي في العراق، وكان هناك مرشحان لحكم العراق، وكانت إنكلترا قد وعدت أن تجري انتخابات عامة حرة في البلاد لاختيار مجلس نيابي يناط به تقرير دستور للبلاد واختيار رئيس الدولة المقبلة، وكانت الحكومة الإنكليزية تعلم أنه سوف لن يختار هذا المجلس مرشحها فقررت فرضه على البلاد، فقامت قوة باختطاف المرشح الآخر، بناء على أوامر كوكس بينما كان ينزل ضيفاً عليه في منزله، وحمل إلى عربة مدرعة توجهت به إلى زورق نقله إلى البصرة ومنها إلى السجن في سيلان، ونظم بيرس كوكس هذا استفتاء شعبياً! يقوم على سؤال وحيد يجعل البديل هو استمرار الحكم الأجنبي مما اضطر المستفتون إلى قول"نعم"!! فبريطانيا لم تحكم البلاد العربية التي احتلتها بشكل مباشر بل من خلال ما توجده من تنظيمات ومنها الأحزاب والمجالس النيابية، وقد ذكر خدوري ما يؤكد هذا الأمر إذ قال:"أصرت فرنسا بصفتها السلطة المنتدبة على ضرورة تضمين دستور كل من سوريا ولبنان مواد تشترط موافقتها -فرنسا- المسبقة على كل إجراء رسمي، أما بريطانيا، فقد آثرت إخضاع الشكل للمضمون، فلم تشترط مثل هذه السلطات بل فضلت الاعتماد على نفوذ غير مباشر عوضاً عن النفوذ المباشر...".

أما بعد الحرب العالمية الثانية، (وبعد أن انتصرت الديمقراطية الأوروبية متمثلة بالحلفاء على جبهة المحور أو عزت الأولى إلى الأنظمة السائرة في ركابها بالسماح لشعوبها بممارسة الديمقراطية كأسلوب لإيقاف الاتجاهات التبشيرية الشيوعية) والتي كان نشاطها قد تزايد بفضل دعم الحلفاء لها خلال السنوات الأخيرة من الحرب من أجل الاستفادة من تنظيماتها في الدعاية للحرب الاستعمارية هذه، وجعلها حرب تحرير وديمقراطية!!، ولكن بعد أن حطت الحرب أوزارها، وتقاسم الحلفاء من جديد مناطق النفوذ ظهر التخوف من انتشار الشيوعية من جديد، إذ قال تشرشل مثلاً:"لقد خيم ظل على المناطق التي أضاءتها انتصارات الحلفاء مؤخراً ولا يدري إنسان ماذا تنوي روسيا السوفيتية ومنظماتها الشيوعية الدولية أن تفعلا في المستقبل القريب أو ما هي الحدود، إن وجدت ؛ لاتجاهاتها الواسعة التبشيرية". فبدأوا في بعث الحياة الحزبية هنا وهناك ودعموا نشاطاتها بغير حدود من أجل القيام بواجباتها في توجيه الأمم ونشر مفاهيم الحرية والديمقراطية والاشتراكية أيضاً ليفرغوا الدعوة الشيوعية من محتواها ويعملوا على صدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت