فهرس الكتاب

الصفحة 16647 من 27364

فعلى سبيل المثال، ذكر كلا الكاتبين بالتوافق، أو بالصدفة (لنسمها ما شئنا) أنه بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 كانت هناك 74 دولة مستقلة فقط، في حين أن عدد الدول المستقلة الآن هو 193 دولة !!! وهنا حاول هذان الكاتبان توجيه الأنظار إلى أن زيادة هذا العدد من الدول المستقلة !!! إلى 196 دولة سيكون حقيقة واقعة بعد تفتيت العراق إلى ثلاث دويلات. كما ذكرا وبكل وقاحة الدور الأمريكي بتفتيت الإتحاد السوفيتي ويوغسلافيا وعدد من دول أوربا الشرقية الأخرى مثل تشيكوسلوفاكيا (التي نتج عن تفتيها جمهوريتين تحملان الآن إسمي التشيك وسلوفاكيا) ، على سبيل المثال. وينتهي كاتبا المقالين بالاعتراف أن أمريكا تسعى الآن وبكل قوتها إلى تفتيت العراق.

[ انظر: تقسيم العراق هدف أمريكي ـ صهيوني مسبق التحضير ، محمد العبيدي ، موقع هيئة علماء المسلمين ، قسم المقالات 1/9/2005 ] .

لم تكن المفاجأة في إصرار الأكراد على رفع سقف مطالبهم القومية، لتأكيد وترسيخ النزعة الرامية كهدف استراتيجي إلى تحقيق انفصال كامل لإقليم الشمال وتكوين دويلة كردية هناك، حيث بلغت هذه المطالب حداً غير مسبوق مثل المطالبة بجعل اللغة الكردية لغة رسمية موازية للغة العربية في العراق ككل، وليس في منطقة كردستان فقط، وكذلك المطالبة بوجود تمثيل كردي دبلوماسي مميز داخل السفارات العراقية بالخارج بأسلوب يكرس فكرة (الدولة داخل الدولة) تمهيدا لانتهاز أية فرصة قريبة مثل اندلاع اضطرابات في العراق أو نشوب حرب أهلية للمسارعة إلى إعلان استقلال كردستان، وهو ما تكرس عبر الإصرار على عدم حل الميليشيات المسلحة الكردية (البشمركة) ، حتى بعد الاتجاه إلى بناء جيش وطني اتحادي جديد للعراق بعد جلاء الاحتلال الأميركي.

وهو الأمر الذي يعكس نية مبيتة للانفصال في أية لحظة، وقد جاءت المظاهرات الحاشدة التي تم تنظيمها في الأيام أخيرة في عدة مدن كردية في شمال العراق من قبل الأكراد والمطالبة بوضوح بضرورة انفصال كردستان ومنحها حق تقرير المصير لتحقيق استقلال الأكراد لتؤكد هذه النوازع الانفصالية، وأن الأكراد يركزون كل جهودهم من أجل تكريس فكرة انجاز الطلاق النهائي مع الدولة العراقية.

وقد ظهر ذلك جلياً خلال مداولات كتابة الدستور العراقي الجديد، فقد أصر الأكراد على رفض إعطاء أي هوية عربية للدولة العراقية، ورفضوا بشدة قبول أن العراق البلد والكيان هو جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وطالبوا باعتبار العرب في العراق فقط (أي السكان العرب) هم فقط من يشكلون جزءاً من الأمة العربية في أول الامر ثم عدلت المادة لتُصيِّر من العراق عضواً فاعلاً ومؤسساً في الجامعة العربية وملتزماً بميثاقها !

وسخرت البيانات السياسية والخطابات الإعلامية للأكراد في الفترة الأخيرة من فكرة (الأخوة العربية - الكردية) وأكثر من ذلك فقد كثف الأكراد جهودهم من أجل انتزاع منطقة كركوك وضمها إلى إقليم كردستان بحجة أن غالبية سكان كركوك هم من الأكراد وأن العرب هناك يشكلون الأقلية وطبعا الهدف الأساسي هو الاستحواذ على ثروات كركوك النفطية التي تحتوي على معظم النفط العراقي في الشمال.

وبالرغم من أن هذه المطالب الكردية كانت شبه معلومة من قبل، إلا أن المفاجأة كانت في درجة الإلحاح عليها ومحاولة الأكراد استغلال الموقف والظروف الناجمة عن الاحتلال الأميركي للعراق، لمحاولة فرض واقع جديد يقود فعلياً لانفصال كردستان وفرض ذلك على بقية أجزاء العراق.

لكن المفاجأة الأعظم جاءت من الجنوب العراقي، عندما أظهرت قيادات سياسية شيعية، لأول مرة فكرة فصل جنوب العراق وطالبت بإنشاء إقليم شيعي في الجنوب والوسط العراقي يضم 9 محافظات ليكون إقليما شبه مستقل على غرار إقليم كردستان في الشمال، وواكب ذلك المطالبة أيضا بالاستحواذ على نفط الجنوب أسوة بمطالب الأكراد بالاستحواذ على نفط الشمال العراقي في كركوك وما حولها، وجاءت صيغة الفيدرالية لتشكل حصان طروادة الذي يمكن من خلاله تنفيذ مخطط تقسيم العراق على أساس عرقي (الأكراد في الشمال) وطائفي (الشيعة في الجنوب) ، على أن يترك للسنة العرب في الوسط أن يتدبروا أمرهم حيث لا توجد اكتشافات نفطية ذات بال في مناطق الوسط حول بغداد وفي غرب العراق على الحدود مع الأردن وسوريا.

ولا يمكن فصل محاولات تقسيم العراق على هذا النحو على أساس عرقي وطائفي (الشمال الكردي، والجنوب الشيعي) ، عن واقع التوزيع الطبوغرافي للثروة النفطية العراقية المكتشفة حتى الآن والتي تتركز في الشمال والجنوب.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لو أن الثروة النفطية العراقية تتركز في إقليم الوسط وحول بغداد حيث تتركز غالبية السنة العرب، كانت سوف تظهر مثل هذه المطالب الانفصالية لأكراد الشمال وشيعة الجنوب؟!

الأمر المؤكد هو أن الإجابة ستكون بالنفي، بل على العكس من ذلك ربما رأينا أهل الشمال والجنوب يزايدون على أهل الوسط من السنة العرب في التمسك بوحدة الدولة العراقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت