ولا يقف الخطر الأمني عند غرس مفاهيم بعينها ضمن النظرية الأمنية، بل يمتد إلى جوانب أخرى أشار إليها عدد من الباحثين في هذا المجال والتي منها تمييع قضية الولاء والبراء، وتفتيت هذا الولاء بين ولاءات شتى كل حسب مشربه؛ فالذي تلقى تعليمه في المدارس الفرنسية تجد عموم ولائه لفرنسا، ومن تعلم في مدارس أمريكية نجد أن أحلامه أمريكية وهكذا.. وفي هذا إذهاب لريح الأمة وتبديد لطاقاتها بل استثمارها فيما يعود عليها بالضرر. يقول اللورد سالسبوري:"إن مدارس المبشرين أول خطوة من خطوات الاستعمار؛ فهي تحدث في البلاد التي تنشأ فيها انقساماً وتفريقاً بين أهلها، يفقدون بها وحدتهم، فيكونون عوناً للمستعمر على أنفسهم. وقد سجل بعض المؤرخين ملاحظة مهمة تخص هذا النوع من التعليم؛ وهي أنه لم يكن بين الوجود التعليمي البريطاني 1880م والوجود العسكري البريطاني 1882م في مصر سوى عامين فقط" (1) .
لقد أشار عدد من الباحثين إلى نجاح التعليم الأجنبي في اختراق جميع مؤسسات الدولة من القمة إلى القاع مرة بالفكر الذي لقنه دائرة واسعة من الناس، ومرة أخرى حين نجح في دعم مجموعة ممن تبناهم بعد تخرجهم وعمل على إبرازهم من خلال وسائل الإعلام؛ لأنه نجح في اختراق الفكر الذي يحكم حركة هذه المؤسسات؛ وذلك حين نجح في زلزلة معاني العقيدة الراسخة داخل المجتمع عن طريق طائفة رباها ثم نجح في تسليط الضوء عليها والسعي في التمكين لها داخل المؤسسات (2) .
ومن هنا فإن السماح بدخول أطراف خارجية إلى ساحة التعليم خاصة في المراحل الأولية يعني وجود خلل في إدراك النظرية الأمنية التي تحكم الاستراتيجية المستقبلية للدولة. كما تعني وجود خطر كامن لا يمكن معرفة أبعاده لالتباسه بالحقيقة الداخلية للمواطن، والتي يصعب في كثير من الأحيان تقدير أثرها؛ ولمحلل أو مدقق أن يجري مقارنة بين مسيرة ألف عام في تطور الشخصية الإسلامية على المستوى الفردي والجمعي؛ وبين مسيرة هذه الشخصية خلال مائة عام. وكلي ثقة أن الفارق بين منحنيي التسارع في التغير أجلى من أن ينبه عليه؛ بالإضافة إلى أن مجمل التغير خلال مائة عام فاق بكثير مجمل التغير على مدى ألف عام، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الأمة.
الخطر الاجتماعي:
لقد اهتمت هذه المدارس بتعليم المرأة المسلمة لإخراجها من دينها شيئاً فشيئاً، ولنزع ثوب الحياء عنها. تقول الصليبية (آنَّا مليجان) :"ليس هناك طريق لهدم الإسلام أقصر مسافة من تعليم بنات المسلمين في مدارس التبشير الخاصة. إن القضاء على الإسلام يبدأ من هذه المدارس التى أنشئت خصيصاً لهذه الغاية، والتي تستهدف صياغة المرأة المسلمة على النمط الغربي الذي تختفي فيه كلمة الحرام والحياء والفضيلة"! ويوافقها زويمر في ذلك فيقول:"إن أقصر طريق لذلك هو اجتذاب الفتاة المسلمة إلى مدارسهم بكل الوسائل الممكنة؛ لأنها هي التي تتولى عنهم مهمة تحويل المجتمع الإسلامي وسلخه من مقومات دينه.."، وقد تنبه الغرب لدور المرأة منذ وقت مبكر، فأقام لها مدارس ذات طابع نصراني بنظام الإقامة الكاملة، واحتضن مجموعة منهن كمشاريع رائدات تغرير (تحرير) لأن المرأة أسلس قياداً لكونها مجبولة على التبعية. ولأسباب أخرى نجح الغرب في تكوين إطار نسوي كانت بواكيره في تلك المدارس المغلقة لتصبح المرأة معول هدم بعد أن كانت أداة بناء خاصة حين تتبنى الرؤى الغازية لقضية المرأة والمجتمع. إن مفاهيم تحرير المرأة قد نمت بذرتها في محاضن التعليم الأجنبي من خلال شبهات المستشرقين المبثوثة في المناهج مرة ومن خلال الأمور المكملة من مسرحيات وقصص ونماذج غربية و.. و.. و.. ومن كان يتصور مثلاً أن تصدر في بلادنا العربية سلسلة من القوانين تمكن للمرأة وتسحق الرجل، أو تفسح المجال أمام الشذوذ وتضيقه أمام الزواج، وما يصبغونه على مسالك الغواية من القداسة ضمن تسويق فني وطرح إعلامي يستأثر به صنائع هذه المدارس ليكمل الطوق، ثم تأتي سلسلة القوانين لتفرض مظلة وترسخ لعرف ما كان له أن يشيع بين المؤمنين لولا المكر الكُبَّار؛ فالباليه يُقدَّم على أنه من الثقافة، والرقص ثقافة، والنحت ثقافة، والجنس أيضاً ثقافة.
ترسيخ الطبقية وتفتيت المجتمعات:
وإلى جانب هذا فقد ساهم التعليم الأجنبي في ترسيخ الطبقية داخل المجتمعات؛ حيث إن نظام الالتحاق به كان مبنياً على ذلك؛ فرسوم الالتحاق بهذه المدارس باهظ جداً ولا يستطيعه إلا الأغنياء وهم الطائفة التي تريدهم هذه المدارس وتعطيهم الأولوية حتى يمكنها أن تقيم علاقة مع هذه الطبقة (وهي طبقة الصفوة الاقتصادية والسياسية، والاجتماعية تبعاً) لتحقق من وراء ذلك عدة أهداف:
-أن الاتصال بهذه الطبقة يسهل عمل هذه المدارس ويفتح لها مغاليق الأبواب.
-أن تربية أبناء هؤلاء مضمون العائد نظراً لأنهم هم الأقرب من امتلاك زمام الأمور سياسياً واقتصادياً وفكرياً في المستقبل.