بدأت معالم التوجه الجديد للحزب الحاكم في العراق تتضح شيئاً فشيئاً بعد أن شُكلت لجنة حزبية ( تصحيحية ) مكلفة من قبل صدَّام بإعادة صياغة المناهج التي تشكل العقلية الدينية لحزب البعث ، فتقدَّمت اللجنة بتوصيات عُرضت للقيادة واضعةً نصب عينيها أملاً ضئيلاً في إجازتها ، و ذُهل الجميع أمام تبني القيادة لعدد من هذه التوصيات و اعتمادها ضمن ما سمي لاحقاً باسم الحملة الإيمانية ، رغم أن ذلك كان مستبعداً في نظر العارفين بتاريخ النظام الحاكم ، رئيساً و أعضاءً .
و مما أُخِذَ به و قُنِّنَ مِن بَعدُ اعتماد منهج شرعي يُدَرَّس لأعضاء الحِلَق الحزبية بمختلف مستوياتها ، و لهذا الغَرَض تم تأسيس معهد عالٍ تُدَرَّسُ فيه خلال عامين العلوم الشرعية لكوادر الحزب ، بصفةٍ إلزامية يعاقب المتخلف عنها ، و اختيرت للتدريس في المعهد كُتُب عُرِفت بسلاسة التأليف و سلامة المنهج ككتاب فقه السُنَّة ، للسيد سابق ، و منهاج المسلم ، لأبي بكر الجزائري ، إلى جانب مقررات حفظ القرآن الكريم التي بلَغت ثلاثة أجزاء في بعض المستويات .
فكيف إذا أضيف إلى ذلك إلزام كوادر الحزب بشهود الجُمَع و الجماعات في المساجد ، و غير ذلك من الأمور التي يعتبر مجرد تقريرها - و لو نَظَرياً - أمارةً على تحوُّل كبير في مسيرة الحزب الذي قاده صدَّام و رسم معالم مسيرته الرئيسة .
و لم يقف حد ( الإصلاحات ) على التوجه الحزبي و مسيرة ( الرفاق ) بل شمل أنظمةً و أعمالاً تستحق الإشادة و العرفان ، فقد وقفَ الثقات لصدام على أعمال جليلة في مجالات التعليم الشرعي و دعم الجهاد و أهله في بيت المقدس و أكناف بيت المقدس بتجهيز الاستشهاديين ، و خلافة أسرهم بخير ، و إغاثة اللهفان من ضحايا الاحتلال و الاستيطان ، و قمع الفساد و تعقب أهل الفواحش و البغاء المعاصي في أنحاء العراق ، و نحو ذلك مما يعتبر دليلاً على التوجه الجديد للرجل ، فشهد قومٌ بما علموا ، و قيد آخرون بالكتابة و المقال .
و من أعماله المشهودة داخلياً على سبيل الذكر لا الحصر توسعه في بناء المساجد ، و تشجيعه على ذلك بإسقاط الضرائب عمن يبني لله مسجداً . و لو كان مقياس الالتزام بالشريعة السمحة قائماً على توسعة المساجد ، لكان أكثر التزاماً في هذا الباب من أكثر الدول الإسلامية تغنياً و مفاخرة بالتوسعات .
و حينما تسابق حكام المسلمين على إرضاء الغرب بالتضييق على التعليم الشرعي في بلادهم ، و تضييق الخناق على ما يسمونه إرهاباً بتحريف المناهج الشرعية و التضييق على أروقة العلم و مناراته و معاهده و جامعاته ، عَمَدَ صدام إلى السعي في الاتجاه المعاكس لرغبات الغرب الصليبي في هذا المضمار فبنى عدداً من دور التعليم الشرعي و أغدّق عليها العطاء ، و منها: المعهد العالي للإمامة و الخطابة ذي الفروع المنتشرة في المحافظات ، و جامعة صدام للعلوم الإسلامية ، و كلية المعارف بالرمادي ، و كلية العلوم الإسلامية و فيها قسم لأصول الدين ، و آخَر للشريعة ، إلى غير ذلك مما بلغنا و ما لم يبلغنا خبره .
و لولا الإطالة لأسهبنا في ذكر أمارات التوبة التي ظهرت على صدام خلال السنوات العشر الأخيرة ، و من أراد التوسُّع و الإحاطة أحلناه على ما نُشِر في موقع مفكرة الإسلام الإخباري على شبكة المعلومات الدولية ( الانترنت ) ففيها إجادة و إفادة .
و ها نحن أولاء إذ بَلَغَنا عن صدَّام ما يدلُّ على توبته من الكفر ( الأكبر ) المخرج من الملّة قلنا ( و ما شهدنا إلا بما عَلِمنا ) : أفلَح إن صَدَق ، و توقعنا منه ، و رجونا له العَوْد الحميد إلى دين الله المجيد .
و لا شك أن الفتيا بإسلام المرء بعد كفره تقبل بالقرائن الدالة على ذلك ، و كلما تواترت القرائن كانت أقوى في الدلالة على الأمر ، و قد تواترت عن صدام مؤشرات التوبة من الكفر البواح الذي كان متلبساً ( و حزبه ) به لعشرات العقود .
و إنني اليوم إذ لا تنتابني غضاضة ، و لا أرى بأساً في الحكم بما بلغني من توبة الرجل من الكفر ، لا أزعم فيه عدالة و لا أهلية لسياسة و لا سيادة ، فهو و شعبه في شأنٍ عظيم من الجرائم و الطغيان و الظلم ، و لا بد لديوان المظالم أن يفتح في الدنيا أو الآخرة أو فيهما معاً فيحكم فيه بشرعة لا تعرف الإجحاف ، في محكمة لا يظلم فيها أحد .
و إني إذ أستبعد ، و أكاد أجزم باستبعاد أن يجد الرجل من يحاكمه بشريعة الإسلام ، أو مَن ينصفه من غير أهل الإسلام ، لعلى يقين بأن يد العدالة الربانية لا يفلت منها أحد في العاجل أو الآجل ، فالكل صائر إلى مصيره ، واقف بين يدي ربه القائل: ( لا ظلم اليوم ) .
و إن لم تُنصِف الرجلَ محكمةٌ ، فلا أقل من أن تنصفه كلمةُ حق .