فهرس الكتاب

الصفحة 17091 من 27364

أما التقدم المادى والعلمى فخط قائم بذاته خلال التاريخ البشرى غير متعلق بالهدى ولا بالضلال:

{كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20) } [سورة الإسراء 17/20]

منشئوه تلك الرغبة الفطرية التى أودعها الله قلب الإنسان ، التى تدفعه إلى التعرف على خواص الماجة وخواص الكائنات الحية من حوله ، ومحاولة استخدام هذه المعرفة في التحسين المستمر لأحواله المعيشية ، وهى رغبة كما قلنا لا تتعلق بالهدى ولا بالضلال .. ومن ثم فجعلها هى المقياس لتقدم الإنسان يؤدى إلى نتائج باطلة .

فقد يحدث - كما حدث في وقت نشأة الأمة الإسلامية - أن يكون الحاملون للهدى الربانى ، المتبعون لمنهج الله ، متأخرين في مبدأ أمرهم من الناحية العلمية والتكنولوجية ، قليلى الحظ من العمارة المادية للأرض ، ويكونون مع ذلك في أعلى درجات الرفعة الإنسانية ، كما كان جيل الصحابة رضوان الله عليهم ، الذين قال فيهم رسول ا صلى الله عليه وسلم:"خير أمتى القرن الذى بعثت فيه ، ثم الذين يلونهم (1) "فلا يمنعهم هذا التأخر المؤقت في ميدان العلم النظرى والتطبيقى أن يكونوا أروع نماذج للبشرية في أوج ارتفاعها . ولكنهم - بحكم الانطلاقة الهائلة التى تحدثها النشأة الجديدة في كيانهم - لابد أن يتجهوا بعد فترة من الزمن إلى العمارة المادية وتظهر إنجازاتهم فيها كما حدث للمسلمين في العهد الأموى والعباسى .

بينما يحدث كثيرا أن يكون قوم في قمة العمارة المادية للأرض ولكنهم فارغون من القيم العليا ، فتزداد حياتهم خللا وانحدارا كلما أوغلوا في العمارة المادية ، كما هو حادث في الجاهلية المعاصرة .

ومن ثم لا يصلح التقدم المادى - وحده - معيارا من معايير التاريخ .

حقيقة إنه جزء من مهمة"الخلافة"التى خلق الله الإنسان ليقوم بها في الأرض ، بحيث يكون الإنسان المتقاعس في هذا الجانب - ع القدرة عليه - مقصرا في أداء جزء من مهمته ، ولكن العبرة ليست في مجرد أداء هذه المهمة ، إنما في الطريقة التى تؤدى بها ، هل هى متفقة مع المنهج الربانى ، أى متقيدة بالحلال والحرام ، ونظافة المشاعر ونظافة السلوك، والأمانة والعدل ، وسائر القيم العليا التى تكون الجوهر الحقيقى لإنسانية الإنسان ، أم غير متفقة مع ذلك المنهج ، أى غير متقيدة بالحلال والحرام والنظافة الحسية والمعنوية والأمانة والعدل .. أى غير محققة لإنسانية الإنسان .

فالتقدم العلمى والتكنولوجى ضرورى لعمارة الأرض ، ومن ثم فهو واجب على أى مجموعة من البشر يضمها تجمع معين . ولكن لابد له من شروط يقوم عليها ، وإلا فقد كثيرا من اعتباره وتحول إلى أداة سلبية تدفع الإنسان إلى الدمار !

{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) } [سورة الروم 30/9]

وليس من الضرورى أن يتم التدمير بمجرد ظهور الفساد واستشرائه .. فإن من سنن الله أن يمد للقوم الظالمين - مع ظلمهم - ويمكن لهم ، ويفتح عليهم أبواب القوة في كل اتجاه .. ليزدادوا فسادا وانحرافا ، ويزدادوا استحقاق للتدمير..

{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) } [سورة الأنعام 6/44-45]

بينما من سنن الله مع المسلمين ألا يمكن لهم في الأرض إلا وهم مستقيمون على طريقة ، فإذا انحرفوا زال عنهم التمكين حتى يعودا إليه .

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} [سورة النور 24/55]

ويقيم الناس في حياتهم علاقات سياسية واجتماعية واقتصادية ليس بعضها نابعا من بعض ولا بعضها تابعا لبعض .. إنما الأصح أن نقول إنها - كلها - أوجه متعددة"لموقف"معين ، في اتجاهات مختلفة ولكنها مترابطة ..

(1) رواه مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت