ويتلخص الفارق بين نوعى الصراع في الآية الكريمة:
{الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [سورة النساء 4/76]
والطاغوت هو كل ما يستعبد الناس له من دون الله .
والتفسير الإسلامى للتاريخ واقعى واقعية الإسلام:
فمن ناحية يقدر أن الصورة المثالية للتطبيق الإسلامى ليست هى الصورة الدائمة . وأن الضغوط المادية والاقتصادية وضغوط الشهوات البشرية يمكن أن تؤثر في التطبيق الواقعى فتنزله من صورته المثالية إلى صورة أدنى . ومن ناحية أخرى يقدر أن الحكام يمكن أن يطغوا بسلطان الحكم وسلطان المال الذى في أيديهم فيجوروا ويظلموا ، رغم قيامهم بتطبيق شريعة الله في فى المواضع التى لا تخص سلطانهم وامتيازاتهم التى يصنعونها لأنفسهم .
ولكن التفسير الإسلامى - الذى يفسر التاريخ بحسب السنن الربانية - يقول إن هذه الأمور كلها هى انحرافات عن المنهج الربانى الصحيح ، ليس لها إلا إحدى صورتين ، وإحدى نتيجتين:
إما أن تكون في حيز محدود ، فلا يصب الظلم أو الفساد رقعة كبيرة من الأمة بسبب تأثير العقيدة في النفوس من ناحية ، وتأثير تطبيق الشريعة في حصر الظلم في الحيز المحدود المحيط بالحكام من ناحية أخرى ، وعندئذ تستطيع الأمة أن تعيس فترة طويلة حتى والفساد في داخلها ، وتكون برغم هذا الفساد الجزئى أفضل وأنظف وأعلى من الجاهلية .. وإما أن تزيد رفعة الفساد عن الجزئى أفضل وأنظف وأعلى من الجاهلية .. وإما أن تزيد رقعة الفساد عن الحد المعقول . وعندئذ تدركها سنة الله التى لا تتخلف ولا تحابى أحدا ، فتنهار الأمة حتى وهى تحمل اللافتات الإيمانية ، لأنها تكون عندئذ لافتات مزيفة لا رصيد لها من الواقع ، والسنة الربانية - الحتمية التى لا تتبدل ولا تتحول - لا تتعامل مع اللافتات المرفوعة إنما تتعامل مع الواقع الحقيقى .
وفى جميع الحالات لا يغفل التفسير الإسلامى للتاريخ ضغوط"الواقع المادى والاقتصادى التى يعنى بها التفسير المادى للتاريخ ، وتأثيرها في نفوس الناس ومشاعرهم ، ولكن يختلف الأمر كثيرا ما بين وجود العقيدة وعدم وجودها."
الضغوط المادية والاقتصادية دائما موجودة ودائما ذات ثقل .. ولكن العقيدة ترفع الإنسان بمقدار تمكنها من نفسه وفاعليتها في حياته ، فأما إن كانت على درجة عالية من التمكن والعمق والفاعلية فإنها ترفع الإنسان فوق الضغوط المادية والاقتصادية ، فينجو من ثقلها كلها ، ويصوغ حياته بمقتضى القيم التى يؤمن بها ولا يحيد عنها .. وهؤلاء هم أفذاذ التاريخ .. وأما إن كانت موجودة ولكنها على درجة من التمكن والفاعلية أقل ، فإنها على الأقل ترفع الإنسان فتضعه إزاء الضغوط ، فيصارعها وتصارعه ، ويغلبها مرة وتغلبه مرة ، ويكون ضغطها عليه محسوسا ولكنه ليس قاهرا .. وهذه هى الحالة العادية للمؤمنين ، سواء في صورة مجتمع أو في صورة أفراد .
أما في غياب العقيدة فالإنسان في معظم حالاته واقع تحت الضغوط المادية والاقتصادية ، لا يملك أن يرفع رأسه إزاءها ولا أن يرتفع عليها ،فتكون هى القاهرة وهو المقهور تحتها .. وتلك هى الحالة التى ركز على شرحها التفسير المادى للتاريخ ، وأجاد في شرح كثير من تفصيلاتها ( بصرف النظر عن مغالطاته المكشوفة في تفسير الدين والأسرة وأخلاقيات الجنس ، وفى تصوير المخطط اليهودى لإفساد أوربا في الثورة الصناعية على أنه تقدم وتطور ، وأنه حتمى !)
ولكن هذا التفسير أخفق في أمرين:
أخفق أولا في إعطاء التفسير الصحيح لتلك الحالة التى ركز عليها ، إذ قدمها على أنها هى الوضع الدائم والطبيعى للبشرية ، ولم يعطها تفسيرها الحقيقى ، وهى أنها وضع منتكس للإنسان بسبب جاهليته ، لا بسبب أن المادة بطبيعتها رب قاهر والإنسان بطبيعته عبد للمادة !
أما إخفاقه الأكبر فهو - كما أسلفنا - إخفاقه في تفسير الإسلام ، وهو الوضع الصحيح للإنسان:
{ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) } [سورة الروم 30/30]
ويقول التفسير الإسلامى للتاريخ إن هناك سننا ربانية تحكم حياة البشر على الأرض ، وإنها سنن دائمة غير قابلة للتبديل ولا التحويل:
{فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (43) } [سورة فاطر 35/43]
وسنة الله هى الحتمية الوحيدة في هذا الكون ، والكون كله خاضع لهذه الحتمية بما في ذلك الإنسان .
ولكن هناك فارقا أساسيا - بالنسبة للإنسان - بين حتمية السنن الربانية وبين الحتميات المادية والاقتصادية والتاريخية التى يزعمها التفسير المادى للتاريخ .
إن حتمية السنن الربانية لا تفرض سلوكا قهريا معينا على الإنسان ، ولا تقع بمعزل عن إرادته . إنما هى تفرض نتائج حتمية على السلوك الذى يتخذه الإنسان باختياره .