بدأت تجزئة تركستان في عامي 1342-1343ه، 1924-1925م، وظهرت للمرة الأولى التشكيلات القومية التركمانية والأوزبكية، والطاجيكية، والكازاخية، والقرغيزية، وهي خطوة كبرى لزرع الفرقة التي تخدم الاستعمار الروسي في المنطقة، وكانت تخفي في أعماقها شرور الصراعات القومية، وذلك لتداخل الجغرافيا في التاريخ الثقافي والإثني للمنطقة . وتجلى ذلك في صنع الدول والجمهوريات، وإعادة تقطيعها وتغييرها ودمجها وفصلها وتوسيعها وتصغيرها بإرادة الروس، كما هو الحال في إدخال طاجيكستان بأكملها في بادئ الأمر ضمن أوزبكستان، وكذلك بعض الأراضي القرغيزية ضمن الدولة الأوزبكية، مما أدى إلى صراعات ما تزال قائمة إلى الآن (4) .
ونقف هنا قليلاً عند محطات تاريخية للجمهورية القرغيزية ..
فالقرغيز كلمة روسية تعني الفرسان أو ركاب الخيل .
وكان القرغيز ينتشرون جنوبي نهر"برصو"شرقي نهر سيحون، وقد تمكنت قبائل القلمق من دفعهم إلى مرتفعات تين شيان، وسيطر القازاق على المنطقة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، واندمجوا معهم عسكرياً واجتماعياً، ويطلق بعض المؤرخين عليهم اسم
قرغيز، في حين تذكر دائرة المعارف البريطانية اسم القرغيز والقازاق في نفس الوقت، أما القرغيز الذين ذهبوا إلى مرتفعات تين شيان فيطلق عليهم اسم قره قرغيز بمعنى الفرسان السمر.
عرفت منطقة قرغيزيا عند المسلمين بوادي فرغانة، وقد انتشر الإسلام فيها عن طريق التجار المسلمين، وازداد تمكناً في عهد السلاجقة، ثم تعرض لفترة جمود بعد غزو المغول، ثم ازدهر بعد إسلام المغول والتتار، حتى استيلاء الروس عليها (5) .
ساهم الدعاة من بخارى وقازان في نشر الإسلام في قرغيزيا، لقربهم واندماجهم في أهلها، ثم قوي الإسلام في المنطقة في العهد العثماني الذي وطد دعائمه في هذه المناطق، وذلك لأهميتها في المواجهة مع الروس .
ولذلك نجد أغلب سكانها من الأتراك، والمغول، وقلة من الأوزبك والطاجيك والإيرانيين، إضافة إلى الروس والأوكرانيين الذين استوطنوا المنطقة بعد الاحتلال الروسي .
وفي بداية القرن الثامن عشر انقسم أهل البلاد إلى ثلاث عشائر:
العشيرة الكبرى: وتسكن الجزء الغربي والشرقي من السهول القرغيزية .
العشيرة الوسطى: وتقيم في الوسط .
العشيرة الصغرى: وتنتشر في الجزء الشمالي والغربي من المنطقة .
ولقد ظهرت خلافات بين هذه القبائل نتيجة المكر الروسي، جعلتها تشتبك في حروب كثيرة مما أدى إلى ضعفها، وأتاح الفرصة للتدخل الروسي، فقدمت العشيرة الصغرى الولاء للروس عام 1731م، وأقامت روسيا القلاع الحربية في منطقتها، وعمدت إلى كسب ود بعض القبائل إلى جانبها عن طريق تعميق الخلافات القبلية بين تلك القبائل حتى تشعر الضعيفة منها أنها بحاجة ماسة إلى الدعم الروسي . وكانت روسيا ترسل ضباطها إلى القبائل التي تكسب ودها، وبذلك فتحت لنفسها ثغرة للتوغل في البلاد (6) .
خضعت البلاد للاستعمار الروسي عام 1282ه ، وشهدت ثورات عدة ضد الروس والحكم الشيوعي، منها ثورة عزت قوت بر الذي قاد الشعب القرغيزي في ثورة ضد الروس لإخراجهم من البلاد، والانفصال عن روسيا، فجرت بينه وبينهم معارك طاحنة استعان فيها بأهل خوقند الذين أرسلوا له الدعم، ولكن روسيا استطاعت بمكر بث بذور الفتنة بين القرغيز والخوقنديين، مما أضعف الثورة وأدى في النهاية إلى إخمادها، وكذلك ثورة سنة 1916م - 1335ه، التي قمعت بقسوة بالغة، ووحشية لا توصف.
بدأت أفواج الروس تتدفق على
رغيزيا، فأسس المحتلون عشرين قرية روسية، معظمها في المنطقة الشمالية المتاخمة لحدود قازاقستان، وذلك عام 1284ه، ثم زاد تدفق المستعمرين والتوسع نحو الجنوب، فأقيمت أكثر من ستين قرية روسية في المدة 1326ه 1334ه، وكان أكثر من خمسين منها في وادي فرغانة، واستمر تقدم الروس نحو الجنوب حتى غطى المنطقة بأكملها.
وتناقص عدد القرغيز إبان الاستعمار الروسي بسبب حرب الإبادة والموت جوعاً والهرب من البلاد . إذ قتل خلال ثورة سنة 1335ه مائة وخمسون ألفاً من القرغيز . وماتت أعداد كبيرة جوعاً أثناء هروبها باتجاه الصين، وأبيد سكان القسم الشمالي جميعاً، فكان النقص أكثر من ثلث السكان .
واستمر تناقص السكان بعد الحكم الشيوعي نتيجة القتل والإبادة، وفي الوقت نفسه زاد تدفق المستعمرين الروس إلى البلاد حتى أصبح عدد القرغيز في منطقتهم عام 1345ه دون عدد المستعمرين الروس، واتخذ المستعمرون سياسة توطين القبائل المتنقلة كي تسهل مراقبتها، لذا فقد صادروا الحيوانات، غير أن السكان قاموا بذبح حيواناتهم ولم يُسلموها، فأثر هذا في ضعف مستواهم المعيشي، وفقرهم، وتعرضهم للجوع . فلما طالب بعض زعماء القرغيز المشاركين في الحزب الشيوعي بالعمل على تحسين الأوضاع المعيشية طُردوا من الحزب، واتهموا بالخيانة لمبادئ النظام، واختفى بعضهم، ومنهم رئيس وزراء قرغيزيا يوسف عبد الرحمن، إذ طالب بعدم تصدير الخبز قبل شبع القرغيز، فعُدّ خائناً، فأقيل من منصبه، وطُرد من الحزب، واختفى، وكذلك فعل بعدد ممن طالبوا بمثل مطالبه (7) .