فقد كانت هذه المسألة - إقامة كيان صهيوني في فلسطين- نقطة الالتقاء الوحيدة عام 1917م بين الشيوعية والرأسمالية.
وعلاوة على ذلك فإن لينين - قائد الثورة - بنى فكره وإيديولوجيته انطلاقاً من الفكر الماركسي، وماركس كما هو معروف كان يهودياً، ويجهل كثير ممن وقعوا في شباك الماركسية أن ماركس الذي اشتهر بالدفاع عن الحرية وحرية المستضعفين بصورة خاصة كان يؤيد الامبراطورية البريطانية -وهي إمبراطورية إمبريالية توسعية - بل وقد جعل مصالح الديموقراطية الثورية ومصالح إنجلترا مترابطة وفي كفة واحدة، وعبر عن ذلك في إحدى المقالات التي كتبها في صحيفة (نيويورك تربيون ) الأمريكية التي كان مراسلاً لها في أوربا قال:(ففي هذه المسألة -أي المسألة الشرقية- نرى أن مصالح الديموقراطية الثورية مترابطة مع مصالح إنجلترا بشكل وثيق.
فلا الديموقراطية ولا إنجلترا تستطيع أن تدع القيصر يجعل من القسطنطينية إحدى عواصمه، وإذا سارت الأمور نحو الأسوأ فإننا سنرى الواحدة أو الأخرى تتصدى له بنفس الزخم والمقاومة) [نيويورك تربيون T r ibune New Yo r k 7 إبريل 1853م] .
كيف ذلك ونحن نعلم أن بريطانيا ذات اتجاه ليبرالي إمبريالي يتناقض قلباً وقالباً مع ما يسمى الديموقراطية الثورية أو الاشتراكية الثورية التي يزعم ماركس أنه يتبناها! إن في ذلك تناقضاً واضحاً يكشف النقاب عنه أن ماركس رغم تظاهره بالإلحاد لإضلال وغواية البشر كان يهودياً في الصميم؛ إذ كانت بريطانيا وقتئذ موئل اليهود وسندهم أكبر إلى جانب هولندا، وذلك قبل أن ينتقل مركز الثقل اليهودي بصورة نهائية إلى الولايات المتحدة.
بل كان ماركس صهيونياً، وله كتاب اسمه: (المسألة اليهودية) ؛ فقد اتصل عام 1862م بفيلسوف الصهيونية الأول وواضع أساسها النظري (موشي هيس) صاحب كتاب (الدولة اليهودية) ، وعن هذا أيضاً تلقى (تيودور هرتزل) الذي لم يزد على أفكار (موشي هيس) سوى أن بسَّطها وأقام لها تنظيمها السياسي فيما يعرف بالحركة الصهيونية.
وقد بلغ من إعجاب ماركس وتأثره بـ (موشي هيس) أن قال عنه في كتابه (المسألة اليهودية) : (لقد اتخذت هذا العبقري لي مثالاً وقدوة، لما يتحلى به من دقة في التفكير واتفاق آرائه مع عقيدتي وما أومن به) ، وكذلك فإنه مما يلفت النظر إلى أن ماركس قد عبر بالشيوعية عن يهوديته ما كتبه فيما بعد (الحاخام لويز بورنس) ، وهو أحد أقطاب الصهيونية الحديثة قال: (إن كارل مار كس حفيد الحاخام مردخاي ماركس كان في روحه واجتهاده وعمله ونشاطه وكل ما قام به وأعدَّ له أشد إخلاصاً لإسرائيل من الكثير ممن يتشدقون اليوم بدورهم في مولد الدولة اليهودية) .
ومما يثبت أيضاً أن لليهود دوراً هاماً في ترويج الفكر الشيوعي ما ورد في البروتوكولات الصهيونية؛ فقد جاء في البروتوكول الثاني: (لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء.
ولاحظوا أن نجاح داروين وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل، والأثر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الشعب الأممي (غير اليهودي) سيكون واضحاً لنا على التأكيد).
هذا بالإضافة إلى شواهد أخرى لا يتسع المجال لذكرها كلها؛ فقد نشرت مجلة (فريكان هيبرو) في عددها الصادر يوم 10/ 3 / 1920م وهي من كبرى المجلات اليهودية:(إن الثورة الشيوعية في روسيا كانت من تصميم اليهود..
وإن ما تحقق في روسيا كان بفضل العقلية اليهودية التي خلقت الشيوعية في العالم).
وبتاريخ الخامس عشر من شباط عام 1968 ألقى ألكسي كوسيغين خطاباً في مدينة (مدينسك) السوفيتية جاء فيه:(نحن لسنا أنصار حرب جديدة في الشرق الأوسط، بل على العكس نريد سلاماً مستقراً في المنطقة، وهناك بعض الدول العربية تؤيد هذا الموقف.
إننا نرفض تصفية إسرائيل، بل نؤيد استمرار إسرائيل كدولة).
ومما يلاحظ أن الاتحاد السوفييتي منذ بداية الثورة البلشفية لم يتحرج في اتخاذ موقف التأييد المطلق والتنسيق المتكامل بينه وبين الحركة الصهيونية قبل قيام إسرائيل وبعد قيامها.
ومن مطالعة النصوص والوثائق التي تغص بها سجلات الأمم المتحدة - ويستطيع كل إنسان الحصول عليها بأي لغة شاء- يتضح عدد من الحقائق والمواقف التي تدين الاتحاد السوفياتي في تأييد قيام إسرائيل وفي التمهيد لها، ثم في توفير ظروف استمرارها وبقائها وقوتها.
الشيوعية في بلدان أوربا وأثر اليهود فيها: لو دققنا في قيادات الحركات الشيوعية الأخرى خارج روسيا لوجدناها غاصة باليهود على مستوى القيادة والتنظيم أو على مستوى الفكر والمحتوى.
ففي ألمانيا بعد نجاح الثورة الشيوعية الأولى عام 1917م، قامت ثورة شيوعية مماثلة قادتها روزا لوكسمبورغ، وهي يهودية بولونية شاركت وأسهمت في النشاط الشيوعي مع التنظيمات الماركسية الأولى خارج الاتحاد السوفياتي لكن هذه الثورة قمعت ثم أعدمت روزا لوكسمبورغ.
وقد أوفدت الأممية الشيوعية (كارل رادك) لقيادة الحزب الشيوعي الألماني في أعقاب فشل روزا لوكسمبورغ، ثم تبعته (روت فيشر ) وكلاهما يهودي.
وفي نفس هذه الفترة تقريباً قام يهودي شيوعي آخر وهو (بيلاكون) بثورة في هنغاريا وكان هذا عام 1919م.