فهرس الكتاب
أما كتاب"الإسلام بين الشرق والغرب"، وهو الكتاب الثاني لبيجوفيتش؛ فقد أُلف في ظروف بالغة الصعوبة، وهُرّب من السجن لتتم طباعته في بريطانيا من قبل أصدقاء لعزت، والكتاب يملك الكثير من العمق والوضوح والمنطق والقدرة على التحليل والاستخلاص، مما يجعل القارئ متيقظاً، مستمتعاً، مبهوراً بالنور المتدفق وضاءً فاتناً من بين سطور الكتاب وصفحاته، والتي تقلبها وكأنك تطوف في سفر الكون والحياة العظيمين متنقلاً، مسافراً في فضاء واسع عبر تاريخ الفكر الإنساني والعلوم والأديان والرسالات السماوية والفنون والفلسفات والآداب على نحو فذ يكشف عبقرية المؤلف وقدراته الخارقة، ومن هنا ينبع الذهول والرغبة الدائمة في قراءة الكتاب وإعادة قراءته باستمرار، وهو خطير لأنه بإمكانه أن يحدث انعطافات؛ بل تغييرات حاسمة في فكر القارئ ورؤيته ووجهة نظره حيال أشياء كثيرة، ومسلمات عديدة، ويضعه في حالة جديدة من التثبت بقناعات جديدة راسخة، لا يمكن نفيها أو دحضها. ولعل أكبر دليل على خطورة الكتاب هو منعه ومصادرته من فرنسا بلد الحريات والأنوار بحجة تقويضه لأسس المجتمع المسيحي العلماني، وتناوله الإسلام بشكل مغرٍ وجذاب؛ فكتاب واحد بإمكانه تقويض أسس المجتمع المسيحي العلماني، هذا الذي تكون عبر قرون طويلة!. هو كتاب في منتهى الخطورة بما يملكه من نور وحقائق منطقية دامغة وقدرة مدهشة على الإقناع، فكتاب"الإسلام بين الشرق والغرب"يتناول الإسلام تناولاً جديداً شاملاً، عميقاً، غير مسبوق من قبل، ويفتح أفقاً واسعاً للنظر للإسلام كدين وحياة تضعه في قلب الحضارة الإنسانية المعاصرة، ولم يسبق لأحد من المفكرين المسلمين أن تناول الإسلام بمثل هذه الرؤية الشمولية والرؤية العميقة في حوارها الخلاق مع الفكر والعلم والفن المعاصر والحضارة والثقافة الإنسانية إجمالا مؤكداً ومرسخاً، الإسلام كدين يحتفي بالحياة وبالفن والإبداع والإنجاز في هذه الدنيا؛ لأنه دين الدنيا والآخرة وليس الآخرة فقط كما يفهمه بعض القاصرين في الرؤية، ومن هنا مفهوم الوسطية العظيم بين المادة والروح والدنيا والآخرة الذي تميز به الإسلام دون غيره من الأديان.
ولعل المفارقة تكمن في أن كتاب"الإسلام بين الشرق والغرب"رغم كل هذه الأهمية الكبيرة التي له غير معروف بشكل كافٍ في العالم العربي والإسلامي، ولم ينل الأهمية والاهتمام الذي يستحقه!؛ فكتاب مثل هذا كان الأولى أن يدرس في المدارس والجامعات، وأن يقرأ بشكل واسع من قبل المثقفين والمفكرين العرب، وأن يدور حوله نقاش طويل وعميق، خاصة وأن الكثير من المثقفين والمفكرين العرب يعاني من اضطراب في الرؤية وضبابية في الموقف حيال الإسلام، وتناقض عميق في البنية الفكرية نتيجة الانجراف لأنماط غربية في الفلسفة والفكر ومناهج الرؤية والتفكير.
"هروبي إلى الحرية"
وهذا الكتاب هو ترجمة حية لأربعة عشر عاماً قضاها (بيجوفيتش) في السجن بين 1983 و 1988م، دوّن خلالها أفكاره وتأملاته السياسية والثقافية والعقائدية، التي يقول عنها:"إن قيمة هذه الأفكار لا تكمن فيها ذاتها، وإنما في الظروف التي كتبت فيها، ففي داخل السجن كان هناك هدوء جدران السجن، وفي الخارج نُذُر الإعصار الذي سيتحول في عام 1988م إلى عاصفة تدمر حائط برلين، وتزيح عن المسرح (هوينكر وشاوشيسكو) وتبعثر حلف وارسو، وتزلزل الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا، وشعرت جسدياً كيف يمضي الزمن وكيف تتغير محطاته أمام ناظري". ويتناول في كتابه زمن المراجعات الراديكالية للأفكار والقناعات في خضم التجربة الفاشلة للحكومات الشيوعية في شرق أوربا"وشهد العالم تحولاً فريداً سيغير حياة مئات الملايين من البشر، ويحرف مجرى التاريخ باتجاه آخر، العالم الذي كان ثنائي القطب لفترة طويلة أصبح أحادي القطب، ولا أعرف إن كان ذلك خيراً، لكن ذلك ما حدث..".
وقد ضم الكتاب عدة موضوعات قسمها مؤلفها إلى: عامة؛ وتتحدث عن الحياة والحرية والناس، والأخرى تناولت عدداً من الأفكار الدينية والأخلاقية، وبعض الملاحظات السياسية على مجريات الأحداث التي كان المؤلف يراقبها ويعيشها، وجاءت بعض أوراق المذكرات على هامش كتابه"الإسلام بين الشرق والغرب"، كما ضمت حديثاً عن الشيوعية والنازية وبعض الحقائق حولها، والتي يرى المؤلف أنه لا يجوز نسيانها، ثم ختم مذكراته بعرض رسائل من وإلى أولاده وهو في السجن