فهرس الكتاب

الصفحة 17337 من 27364

وقولهم إن العالم وجد بطريق الصدفة فهذا أمر لا يسلم به عاقل؛ إذ كيف تنتج الصدفة هذا النظام البديع، والمعلوم أن السمع لا يهبه لفرد إلا عالم بقانون السمع، وكذلك كل صفة من الصفات التي يسعد بها الإنسان والتي لا بدّ لوجودها من تدخل وقدرة عالمة حكيمة مدبّرة، ولا يمكن القول بأن تلك القدرة من جنس تلك الموجودات، وإلا لأمكن غيرها أن ينازعها أو يبطل عملها؛ إذ المفروض أن الجميع متساوون في كل شيء، وإن قانون التأثير والتأثر يحتم تقدم المؤثر على المتأثر، والمفروض أن كلا منهما يساوي الآخر تماما؛ فإذاً يكون الشيء على هذا موجودا ليوجد ومعدوما ليوجد، وهذا باطل، كما وأنه لا بدّ من كون تلك القوة المؤثرة مغايرة لما عداها في كل شيء في ذاتها وفي صفاتها حتى تكون قادرة على الخلق والإيجاد، ولا يصح أن تأخذ تلك الصفات عن غيرها وإلا لكان غيرها مؤثرا فيها، وبذلك يكون شأنها شأن غيرها من المخلوقات، ومعنى هذا أنه لا بدّ وأن يكون وجودها من ذاتها حتى تتمّ المغايرة بينها وبين ما توجد وتخلق.

أما قولهم (إن العالم وجد بطريق التفاعل) فنقول لهم مبطلين ما يدّعون: إن المادة التي سيتم التفاعل بين جزئياتها مَنْ الذي أوجدها؟ مَن الذي جعلها قابلة للتفاعل؟ ومَن الذي غاير بينها في الصفات والخصائص؟ لا بدّ من قوة مدبرة حكيمة عالمة بقوانين التفاعل والتغاير، حتى يمكنها أن تعطي ذلك العنصر من الصفات ما يجعله يتفاعل مع ذلك العنصر خاصة بكيفية خاصة؛ لينتج عن تفاعلها شيء خاص، وإلا لو كان التفاعل راجعا إلى عنصرية محضة دون تغاير أو تمايز بين العناصر لكانت نتيجة التفاعل واحدة، ولجاء العالم صورة واحدة متماثلة، كما ينادي بذلك قانون التفاعل في علم الكيمياء؛ لأننا لو وضعنا في مخبر مادتين فتفاعلتا، ثم أحضرنا بعد ذلك آلاف المخابر ووضعنا في كل منها مقدارا من المادتين اللتين وضعتا في المخبار الأول لكانت النتيجة واحدة، ونحن إذا نظرنا إلى العالم وجدنا التغاير بين أفراده وعناصره واضحا ملموسا؛ فلو كان موجودا بالتفاعل بين جزئياته لما وجد ذلك التغاير بين أفراده في خصائصه ومميزاته؛ فهذا معتم وهذا مضيء، وهذا حسّاس نام وذاك جامد لا ينمو، وهذا يعيش في الماء ويموت في اليابس وهذا على العكس من ذلك، إلى غير هذا مما تراه العين، ولا ينكر التغاير بينه وبين غيره إلا مكابر أفّاك ومدّع كذّاب، ولله درّ القائل ردا على منكري وجوده تعالى:

فهرعت ربي أحتمي بحماك

رباه مالي في الكروب سواك

فوجدتها مقرونة بتقاك

رباه إني قد نشدت سعادتي

ينكر وجودك يصبح الأفاك

يا رب أنت الخالق الباري ومـ

موجدا من ذا الذي سوّاك

يا مؤمنا قل للذي زعم الطبيعة

من أبدع الإيجاد في دنياك

يا من تخبط في الضلالة سادرا

متطلعا للخير في أخراك

إن كنت تسعى للحقيقة صادقا

متدبرا ثم احتكم لنهاك

فدع التعصب جانبا وانظر معي

ومن الذي بالنطق قد حلاك

من ذا الذي قد شق سمعك محكما

ومن الذي بالحسن قد أولاك

والعين من أعطاك فيها مقلة

وأقام في شتى السهول رباك

ومن الذي يعل الجبال رواسيا

من غير أعمدة ترى عيناك

ومن الذي رفع السموات العلا

طول المدى لا تخطئ الأفلاك

مزدانة بكواكب تجري على

بالخير والإنعام قد ربّاك

هو خالق الأكوان جل جلاله

في الإفك بل والله ما أشقاك

يا منكر الله إنك مغرق

وإلى المهيمن ترشد الإدراك

إن العجائب في الوجود كثيرة

وإذا أصابك بعضه أرداك

فالسم في الأفعى يصون حياتها

والشهد من عاني السقام شفاك

والنحل في زهر الرياض غذاؤه

وإذا طغى يوما يصير هلاكا

بالماء نحيا والحياة رغيدة

واليبس يفني الحوت والأسماك

والحوت يسبح في الخضم موحدا

والطير في كبد السما أشجاك

في الصخر يحيا الدود غير منغص

ينمي الزروع ويقتل الفتاك

والشمس ترسل في النهار شعاعها

وبدونه لن نستطيع حراكا

والليل يمسح بالنعاس عناءنا

والبدر يؤنس في الدجى مسراك

والنجم للسفن المواخر مرشد

وبدونه لن تستبين خطاك

والعقل ينتج للأنام حضارة

عند الذي من فضله أحياك

والروح سرّ في الجسوم وعلمه

للحق والإيمان قد ناداك

والقلب ينبض في المنام ونبضه

لكنها صنع الذي يرعاك

تلك العجائب لا تنظم صدفة

قولي فماذا يا عنيد دهاك

وجميعها فيها الدليل مؤيّدا

وعن الغواية يا شقي نهاك

والعقل يدمغ ما تقول بداهة

لله تقديسا وما جاراك

والكون يلهج بالثناء جميعه

نبذ الورود وفضّل الأشواك

لكنك الغاوي الأثيم ومن غوى

وتجنّبت صوت الهدى أذناك

عطلت عقلك يا غوي حماقة

وتسابقت نحو الردى قدماك

وركبت من بحر الضلالة لجة

أو مبدع شيئا فما أغواك

أما التفاعل إن نقل هو موجد

والكون فاض تغاير أخزاك

إن التفاعل في النتائج واحد

فعل الإله ومبطل دعواك

هذا التغاير في الخصائص مثبت

والجهل بالبهتان قد أغراك

فارجع عن الإنكار إنك مفتر

سبحانك اللهم جل علاك

وانهض لربك بالقداسة هاتفا

لا يشبه القدوس ذا أو ذاك

ذات الإله عن المثيل تقدست

فالله في جنح الظلام يراك

ودع المآتم تائبا مستغفرا

ليست بخافية على مولاك

خطرات نفسك في الظلام أو الضحى

عما يفيد النقص والإشراك

لك خالقي كل الكمال منزها

والكون يا رحمان في يمناك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت