فهرس الكتاب

الصفحة 1766 من 27364

لقد انتشر هذا الداء في كثير من مناطق العالم، فالمستشفيات، والمؤسسات الصحية، ودور عيادات الأطباء الخاصة تستقبل كل يوم سيلاً عارماً من المصابين به، وبالرغم من المعالجات الحديثة له كالبنسلين وغيره، فإنه قد انتشر بصورة هائلة، وكان من آثاره الإصابة (بالهستريا) وقد ضجت المستشفيات العقلية بالمصابين من جرائه، كما كثرت عدد ضحاياه في العالم، وهو في نفس الوقت يحول دون نمو الاقتصاد العام الذي يتوقف على ازدهار الصحة وتقدمها في البلاد، كما يستهلك قسماً كبيراً من الاقتصاد العام لشراء الأدوية والعقاقير لإسعاف المصابين، وإنقاذهم مما هم فيه.

ومن مظاهر الشذوذ الجنسي تفشي الحبوب المسقطة للحمل، وانتشارها بين الفتيات اللاتي يمارسن البغاء، ويخشين من الحمل، وقد انتشر ذلك بصورة مؤسفة في الجامعات والمعاهد الغربية فقد كثر فيها الإجهاض والسقط، ومن الطبيعي أن لذلك أثراً كبيراً على صحة المرأة وإرهاقها مضافاً لتقليله للنسل، ومن نتائج هذا الانحراف والشذوذ كثرة اللُّقطاء فقد فحشت هذه النسبة في عواصم الغرب، واهتمت الحكومات هناك ببناء الملاجئ لاستقبال هذا البشر المنكوب، الذي يفقد العطف الأبوي، وهو يمنى بكثير من العقد النفسية ـ كما يقول علماء النفس ـ، ومن أخطر ما يصاب به أنه يمنى بقساوة الخلق والطبع والضغينة على المجتمع... هذه بعض الأخطار التي تنجم عن الفوضى الجنسية، وهي تهدد الأسرة بأمواج من الآثام الطاغية حتى ليوشك أن تغرق فيها.

عقوق الأبناء

ومن مظاهر ما منيت به الأسرة من الانحلال ـ في هذه العصور ـ انفصال الأبناء عن آبائهم انفصالاً متميزاً في الرأي والعقيدة والاتجاه، فقد عملت التربية الحديثة بما تملك من طاقات مادية وحضارية على الزهد والتشكيك بقيم الآباء وعاداتهم وأفكارهم، وأصبح الأبناء ناقمين على مثل آبائهم وقيمهم، ونتج من ذلك نضال فكري وثوري على المثل القديمة، والنبذ لكل ما يعتنقه الآباء من القيم والتقاليد الاجتماعية، كما نتج صراع آخر عنيف وحاد فيما بينهم، فالآباء دوماً يشكون ما يعانونه من عقوق أبنائهم، وسوء آدابهم، ويحكون صوراً متنوعة من جفائهم، وعدم حشمتهم، ومقابلتهم بالقسوة والحرمان.

يقول المربي (جون ديوي) :

(ومن البعث أن نندب ذهاب تلك الأيام القديمة السعيدة على مناقب أولادنا، والحشمة، والاحترام والطاعة الخلقية إذ النوح لا يعيد الذاهب، وبكاء ما فات يزيد الحسرات، فإن التغييرات الحادثة نتائج نواميس طبيعية، ولا يقابلها إلا تغيير كاف في التهذيب...) .

وهو رأي وثيق للغاية فإن التغييرات الحادثة في نظام الأسرة وغيرها من الأنظمة التربوية والاجتماعية قد أوجبت تمرد الأبناء، وخروجهم من حدود الطاعة وهيهات أن تعود إلى الطبيعة الأولى من دون أن يكون هناك تهذيب للطباع، وتهذيب للغرائز، وغرس للنزعات الخيرة في أعماق النفوس.

التحلّل والميوعة:

ومنيت كثير من الأسر الحديثة بألوان فظيعة من التحلل والانحراف، فقد أسرفت في التفنن بأنواع الملذات والمحرمات مما أدى إلى انهيار الأخلاق، وانحطاط السلوك.

ومن الطبيعي أن الانسياق وراء اللهو يخلق جيلاً غير متماسك لا يعنى بالقيم الإنسانية ولا بالمثل الاجتماعية، فالطفل الذي يشاهد أبويه وهما عاكفان على إدمان الخمر وتبادل الرذائل فإنه حتماً يتأثر بذلك في سلوكه توجيهه.

يقول بعض الباحثين في الشؤون التربوية:

(لقد أصبحت الأسرة جواً مخزياً للتربية بصورة عامة لأن الآباء والأمهات في العصر الحديث قد تجاوزوا الحد المقرّر في السذاجة أو العصبية أو الضعف أو الشدة، وربما يعلّم أكثرهم بعض العيوب لأطفالهم.

أكثر الأطفال الذين يجدون صوراً مختلفة عن سوء الأخلاق والفساد والمشاكسة والسكر في البيت والأسرة، والكثيرون منهم إن لم يجدوا مثل هذه القضايا في البيت فلابد وأنهم تعلّموها من أصدقائهم، فيمكن القول بلا مبالغة أن كثيراً من الآباء والأمهات في العصر الحديث يجهلون تربية أطفالهم مهما كانت الطبقة التي ينحدرون منها، والمدارس أيضاً لا تستطيع أن تؤدي واجبها لأن الأساتذة لا يختلف سلوكهم عن سلوك الأبوين كثيراً...).

إن انحراف الناشئة وفساد سلوكها يستند ـ على الأكثر ـ إلى ميوعة الأسرة وتحللها، ولا نعدو الصواب إذا قلنا إن كفة إصلاح الأسرة يفوق سائر العوامل التربوية الأخرى فهي المدرسة الأولى التي تؤثر أثراً مباشراً على السلوك والتوجيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت