فهرس الكتاب

الصفحة 1782 من 27364

وفي عام (1276هـ/1860م) حدثت فتنة كبرى بين الموارنة والدروز أَوقَفت ـ إلى حين ـ تصاعد المد القومي وحفزت في الوقت نفسه جهود الداعين إليه، وبعد هذه الفتنة أصدر بطرس البستاني صحيفة سياسية أسبوعية باسم (نفير سوريا) ، « ودعا فيها إلى الاتحاد والتعاون بين أبناء الطوائف المختلفة، وإلى ضرورة فصل الدين عن الدولة، وإحلال الشعور القومي العربي مكان التعصب الطائفي» (2) .

وفي عام (1281هـ/1862م) حدث تطور آخر مهم؛ إذ افتتحت (الكلية السورية الإنجيلية) في بيروت، التي عرفت فيما بعد باسم: (الجامعة الأمريكية) لتكون بديلاً محلياً عن البعثات الخارجية التي كانت لا تؤتي الثمار المطلوبة، ولتلعب دوراً كبيراً في مجريات الأحداث فيما بعد، حيث كانت معقلاً من معاقل الحركة القومية العلمانية وموئلاً ضم الداعين إلى العلمانية والتغريب في الشام.

وفي سنة 1863م (1282 هـ) أنشأ بطرس البستاني (المدرسة الوطنية) على أساس وطني لا ديني.

ثم في سنة (1285هـ/1868م) نالت الجمعية العلمية السورية اعتراف الحكومة بها، وفسحت المجال للاشتراك فيها حتى ضمت أعضاءً كثيرين بارزين من الذين كانوا يقطنون خارج البلاد، وخاصة في إستانبول والقاهرة، وتحسنت الصلات بين بعض الساسة من أوروبا وأعضاء فيها، وفي هذه الجمعية ظهر أول صوت يدعو بوضوح وصراحة لحركة القومية العربية، وذلك عندما ألقى إبراهيم بن ناصيف اليازجي على ثمانية من أعضائها قصيدة اتخذت صورة النشيد الوطني، وَرَد فيها تحريض للعرب على الثورة على الترك، وفخر بأمجاد العرب وأدبهم، وقد ذاعت هذه القصيدة ذيوعاً واسعاً.

وفي سنة 1870م (1287هـ) أصدر بطرس البستاني صحيفة (الجنان) ـ وهي صحيفة سياسية أدبية ـ دعا فيها إلى أن ازدهار الشرق يقوم على «الحكم الصالح الذي لا يمكن أن يقوم إلا بفضل اشتراك الجميع فيه، وفصل الدين عن السياسة، وقبل كل شيء: إقامة العدل والاتحاد بين أبناء الأديان المختلفة، وتقوية الشعور الوطني الموحد بين جميع المواطنين العثمانيين» (1) ، وقد جعل شعار صحيفته: (حب الوطن من الإيمان) ، وهو شعار لم يكن يعرفه العالم العربي حتى ذلك الزمن، وهكذا بات الطريق مفتوحاً أمام الجيل الأول من دعاة الوطنية الذين ينادون صراحة بأن الولاء الديني لا يصلح أساساً للحياة السياسية.

وفي سنة 1875م (1292هـ) أسَّس خمسة شبان تلقوا العلم في الكلية السورية الإنجيلية في بيروت ـ وهم جميعاً نصارى من مريدي اليازجي والبستاني، ومن أبرزهم: إبراهيم اليازجي والدكتور فارس نمر (2) ـ أسَّسوا جمعية سرية قامت على أساس قومي هي (جمعية بيروت) »، وهي تعد أول حزب سياسي في هذه البلاد، فعادت العثمانيين وسمَّت دولتهم باسم تركيا، وكان من أهم مبادئها: فصل الدين عن الدولة واعتبار الجنس العربي هو الأساس، والغريب من تلك الجمعية اتهامها الدولة العثمانية باغتصاب الخلافة الإسلامية من العرب والتفريط في الدين، مع العلم أن أعضاءها المؤسسين ليسوا بمسلمين كما ذكر سابقاً، و أن من انضم إليها لاحقاً كان قومياً علمانياً، بل إن كاهناً كاثوليكياً كان يدعو في جريدته (النحلة) في الفترة نفسها إلى «الإصلاح الديني [الإسلامي] بلهجة العربي القومي، وهاجم عبد الحميد واصفاً إياه (بمغتصب لقب الخليفة) » (3) .

وإضافة إلى الاهتمام بالتعليم وتكوين الجمعيات السرية والعلنية، نشط نصارى الشام في نشر أفكارهم المتمثلة في العلمانية والقومية العربية عن طريق إصدار الصحف والمجلات التي كانت الوسيلة الإعلامية العامة الوحيدة آنذاك.

ولكن لم يكن النصارى وحدهم الدعاة إلى هذه الأفكار الجديدة في الشام، بل كان هناك بعض (علماء المسلمين) الذين تأثروا بهذه الدعوة، وعلى رأس هؤلاء برز في هذه المرحلة: عبد الرحمن الكواكبي (1265ـ1320هـ/1848 ـ1902م) الذي أخذ على عاتقه الدعوة إلى (الوحدة الوطنية) وفصل الدين عن الدولة، فكان ـ كما يقول حفيده سعد زغلول الكواكبي عنه ـ: «أول رائد لفلسفة العلمانية مجاهراً بها بين المسلمين» (4) .

الجزائر (5) :

يعد الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة (1246هـ/1830م) ، نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة، وقد كان لهذا الاحتلال عوامل دينية وعمرانية (حضارية) لا تخفى، عبَّر عن هذا بورمون قائد الحملة على الجزائر عندما أقام صلاة الشكر احتفالاً بالنصر، وبعث للملك الفرنسي وصفاً لهذا الاحتفال قال في نهايته: «مولاي! لقد فتحت بهذا العمل باباً للمسيحية على شاطئ إفريقيا، ورجاؤنا أن يكون هذا العمل بداية لازدهار الحضارة التي اندثرت في تلك البلاد» ، ولم يُخف المؤرخون المحدثون هذه الحقيقة، فوصف إدوارد يور المؤرخ الفرنسي المعروف حادث الاستيلاء على الجزائر بأنه: «كان أول إسفين دُقَّ في ظهر الإسلام» (1) .

وفي هذه الفترة المبكرة وبعد أن استقرت أقدامهم عمل الاحتلال الفرنسي على مصادرة الأوقاف وإغلاق مراكز التعليم بالمساجد والكتاتيب، وإذا ما سمحوا بالتعليم ورخصوا بالكتاتيب ـ على قلة ذلك ـ «فمن شروط الترخيص ألا يُدرَّس تفسير القرآن، أو تاريخ الجزائر... » (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت