فهرس الكتاب
أما الفريق الآخر فقد رأى أن اتجاه الفريق الأول يؤدي إلى حرمان المسلمين من المشاركة في خيرات البلاد ووظائفها العامة، فدعا إلى إزالة الفجوة بين الإنجليز والمسلمين، وإلى غرس الثقة المتبادلة بينهم، كما دعا أصحاب هذا الاتجاه المسلمين إلى الإقبال على التعليم المدني الذي أدخله المستعمر للبلاد، ودعوا إلى إنشاء مؤسسة علمية إسلامية يتلقى فيها أبناء المسلمين التعليم الحديث مع تعاليم دينهم في جو مأمون موثوق به، وهكذا ولدت مدرسة (عَليكَرْه) سنة (1293هـ/1875م) التي تحولت فيما بعد إلى (الكلية المحمدية! الإنجليزية) .
وقد تكون بعض المقدمات التي قدمها هذا الفريق صحيحة، ولكن شخصية القائم على هذا الاتجاه، والمسار الذي سلكته المدرسة الممثلة له: يفضحان أن المقصود كان تدجين فكر المسلمين وتذويب التميز العمراني (الحضاري) الذي كانوا يتمتعون به ويحسونه ويفخرون به؛ فقد كان رأس هذه الاتجاه هو سيد أحمد خان (1817م ـ 1898م/ 1232هـ ـ 1316هـ) ، الذي كان موظفاً في الحكومة الإنجليزية بمهنة (قاضٍ) في محكمة، والذي عارض ثورة عام (1274هـ/1857م) وأنقذ أثناءها أُسَراً إنجليزية كثيرة وحماها من فتك الثائرين بها، وقد كافأته بريطانيا على مواقفه الموالية لها عندما زارها عام 1869م (1286هـ) ، حيث كان ابنه يدرس هناك، فنزل لمدة سبعة عشر شهراً ضيفاً مبجلاً على الأوساط الإنجليزية الراقية، فاحتفل به كبار الإنجليز الرسميين وقابل الملكة وولي العهد والوزراء الكبار، ونال الوسام الملكي ولقب الشرف (سير) ، وأثنت عليه الصحافة الإنجليزية، كما هيؤوا له زيارة الجامعات والمعاهد العلمية؛ ليستفيد منها عند إنشاء مدرسته الجديدة،.. في زيارة تذكرنا بالبعثات الباريسية (للمصلحين) العرب! كما أن الرجل كانت له آراء فكرية خطيرة تدل على مدى الانحراف الذي يعمل على جر المسلمين إليه، فانحراف المعتزلة القديم في خلق القرآن وفي العلاقة بين العقل والنص تحول على يديه إلى القول بأن القرآن نزل على الرسول بالمعنى فقط، ثم صاغ الرسول ألفاظه من عنده، وقد تشبع سيد أحمد خان بالمذهب (الطبيعي) ، وهو مذهب داروين، وأنكر الجنة والنار والملائكة والجن، وأخذ يشتم الفقهاء ويستهزئ بالمحدِّثين وبالشعائر الإسلامية.
بل نظر إلى العبادات المحضة النظرة العقلية نفسها فجعلها مجرد رموز، ووصف الإحرام والطواف ورمي الجمرات بأنها عادات باقية من الأديان الأولى في طفولة البشرية، وكان يرى أن الإسلام والهندوكية والنصرانية يجب أن تكون عقائد دينية في نفوس معتنقيها فقط، وهذه العقائد كلها يجب ألا تؤثر في الوطنية، وقال: إن الجهاد يكون مشروعاً فقط عند الدفاع عن النفس وبشرط أن يحمل العدو المسلمين على تغيير دينهم صراحة. وقد تطورت هذه الآراء على يد تلامذته فأصبحت أكثر تطرفاً ـ أو قل: صراحة ووضوحاً ـ، وذلك كله باسم (تجديد) الدين والإصلاح، وهو في الحقيقة تطويع وتطوير للدين. وقفات مع المرحلة:
وقبل أن ننتقل إلى مرحلة تالية من تاريخ العلمانية والتغريب في العالم الإسلامي نود الوقوف مع أحداث هذه المرحلة ـ والتي قبلها ـ وظواهرها بعض الوقفات؛ لعلنا نضع أيدينا على بعض الحقائق والدروس لنستفيد منها: فأولى هذه الوقفات: أن أوضاع العالم الإسلامي في بداية هذه المرحلة وما قبلها مباشرة كانت أوضاعاً في مجملها تحوي كثيراً من المظالم والتخلف، مظالم شاملة لا يوقفها معيار محدد للعدالة إلا القوة والسلطة، وتخلف شامل أيضاً كانت حقيقته التخلف عن الإسلام ذاته، ومظاهره التخلف عن الغرب الذي سبق العالم الإسلامي في العلوم والإدارة والصناعة والتجارة.
أي إن أوضاع العالم الإسلامي كانت تستحق الثورة وكانت في حاجة إلى الإصلاح، ولكن الثورة من أي منطلق، والإصلاح في أي اتجاه؟ هذا هو ما نختلف مع (الإصلاحيين) والعلمانيين فيه.
كما يجب أن نشير هنا أيضاً إلى أنه ـ رغم تلك الأوضاع ـ فإن الفجوة بين العالم الإسلامي والغرب في بداية هذه المرحلة كانت غير كبيرة (1) ، ومن هنا يمكننا القول: إنه كان من الممكن إذا توفرت الجهود المخلصة للإصلاح، ولم تتكالب قوى الغرب للإجهاز على العالم الإسلامي قبل إفاقته.. كان يمكن تدارك هذه الفجوة واللحاق بهم فيما تقدموا فيه من علوم مادية من غير تفريط في قيمنا ومبادئنا و (ديننا) ، ولكن ما حدث في الواقع هو العكس؛ إذ اتجهت الأنظار إلى قيم الغرب ومبادئه زاعمة أن هذا هو سر تقدم الغرب وحقيقة عمرانه (حضارته) ، ودارت الدعايات والترويج لهذه القيم والمبادئ، بينما كان النشاط في اقتباس علوم الغرب وأسرارها ضئيلاً وسطحياً.