فهرس الكتاب
-أن يكون التغيير المستهدف شاملاً لجميع نواحي الحياة: فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية، بل أن يصل التغيير بهذه المبادئ إلى الدين نفسه ـ كما سنرى لاحقاً إن شاء الله تعالى ـ.
-أن يكون هذا التغيير بصورة تدريجية مع اتباع سياسة الصدمات محسوبة الأثر والنتائج إن لزم الأمر.
خامساً: وكانت الترجمة من أهم طرق نقل الأفكار الغربية إلى العالم الإسلامي وأخطرها في ذلك الوقت ـ وخاصة في مصر وتركيا والشام ـ «فقد مهدت حركة الترجمة بما حققته من انتشار الفكر العلمي والثقافة العلمية ـ في مقابل الفكر والثقافة الدينية ـ مهدت السبيل للأفندية أن يحلوا محل المشايخ في الزعامة الفكرية في مصر في القرن 19» (1) .
سادساً: اختلف شكل الإطار الذي خرجت منه العلمانية والتغريب حسب ظروف منطقة الاحتكاك العمراني (الحضاري) الذي نموَا فيه، ففي حين أن دور رجال السلطة المحلية والمحافل الماسونية كان واضحاً في مصر وتركيا في هذه المرحلة، نجد أن الإرساليات التنصيرية والمستشرقين والنصارى العرب لعبوا دوراً أكبر في الشام، كما نجد أن الاستعمار الصريح: الفرنسي في الجزائر، والبريطاني في الهند كان هو العامل الحاسم في غرس العلمانية والتغريب في هذين البلدين، وهذا الاختلاف في الإطار والظرف العام سيكون له أثره فيما بعد.
ومع ذلك فيكاد ألا يختلف (أسلوب) تقديم العلمانية إلى العالم الإسلامي رغم اختلاف
هذه الظروف وتعدد هذه الأطر؛ فقد تسللت العلمانية والتغريب إلى العالم الإسلامي في بدايتها ـ وما زالت ـ تحت ستار كثيف من التضليل والتلبيس؛ حيث اختلط (أو خُلِّط) الحق بالباطل والصواب بالخطأ في الدعاوى التي رفعها (الإصلاحيون) ، كما قُدِّمت العلمانية والتغريب ـ في هذا الخلط ـ على طبق من الدين.
وفي ذلك يصف الدكتور محمد محمد حسين بدقة دوافع (المصلحَيْن) الطهطاوي وخير الدين التونسي ومنهجهما، فيقول: «فالطهطاوي وخير الدين يبدأ كل منهما كلامه بالنص القرآني وبالحديث وبرأي الصحابة والفقهاء، ونقطة البدء في تفكيرهما هي التماس الوسائل لقوة المجتمع الإسلامي... ولكن التخطيط للنهضة والتماس الحلول للتخلص من عوامل الضعف يبدأ من الإعجاب ببعض ما شاهداه من النظم في المجتمع الغربي والرغبة في نقله إلى وطنيهما...» (1) . والقوانين التي صدرت باسم (التنظيمات) في الدولة العثمانية كانت تُصدَّر بأنه: «لا يخفى على عموم المسلمين أن دولتنا العلية من مبدأ ظهورها وهي جارية على رعاية الأحكام القرآنية الجليلة والقوانين الشرعية المنيفة.. وقد انعكس الأمر منذ مئة وخمسين سنة بسبب عدم الانقياد والامتثال للشرع الشريف ولا للقوانين المنيفة..» (2) ، ثم تُذيَّل بأنه «قد أفتى المفتي بجواز العمل بها شرعاً ومعاقبة من يعارض في إنفاذها» (3) .
وقد كان للصورة التي حاولوا بها (تقنين) الفقه دوره في هذا التلبيس ـ بغض النظر عن نيات من قاموا به ومدى مناسبة هذا التقنين ـ حيث اعتاد الناس هذه الصورة وألِفوها، ومن ثم: لم يستغربوا بعد ذلك أن يُحكموا بقوانين غريبة عن الإسلام على هذه الصورة، لا سيما حين يقال عنها إنها لا تخالف الشريعة الإسلامية، أو إن لها تخريجاً يتفق مع رأي في مذهب فقهي إسلامي.
هذا الأسلوب وإن بدا في هذه المرحلة المبكرة غير ظاهر والانحراف فيه يسير، إلا أنه استعمل على نطاق واسع في المراحل التالية، كما أن خط الانحراف به اتسع وتأصل فيما بعد.
سابعاً: تميزت هذه المرحلة بالتركيز على التغلغل في أوساط النخب الثقافية والفكرية وأصحاب التأثير في المجتمع الإسلامي، كما تميزت بالارتكاز على أصحاب السلطة والاحتماء بهم لنشر العلمانية والتغريب، وهذا واضح في البلاد التي تعرضنا لها.
أما قاعدة المجتمع العريضة فقد كانت تعيش حالة من التحول الاجتماعي ـ أو ما نستطيع أن نطلق عليه: البرزخية الاجتماعية ـ فهي لم تكن تعيش إسلاماً صحيحاً كما أنها لم تكن تعيش علمانية كاملة.
وفي الوقت نفسه: كان واضحاً سعي ذوي النفوذ في تيار العلمانية والتغريب على صبغ حياة المجتمعات الإسلامية بالقوانين الوضعية في مجالات الحياة المتنوعة؛ لنزع الطابع الديني عن المعاملات اليومية في حياة أفراد هذه المجتمعات وإحلال صبغة علمانية بديلة، إضافة إلى ربطهم بأسس مرجعية جديدة ترتبط بالنظام العالمي الناشئ من المدنية الغربية، كما حرصوا على إشاعة المظاهر التي تدل على هذه الصبغة الجديدة.