فهرس الكتاب

الصفحة 18107 من 27364

نحن لا نعتقد بأزلية نقطة الدبوس! لذا نرى صواب قول عالم الفيزياء المعاصر ادموند ويتيكر عندما يؤكد صراحة:"ليس هناك ما يدعو إلى أن نفترض أن المادة والطاقة كانتا موجودتين قبل الانفجار العظيم وأنه حدث بينهما تفاعل فجائي. فما الذي يميز تلك اللحظة عن غيرها من اللحظات في الأزلية؟ والأبسط أن نفترض خلقاً من العدم، أي إبداع الإرادة الإلهية للكون من العدم"

ومن ثم فالنتيجة التي نخلص إليها هي اللاأزلية وتوكيد الحدوث ووجود الخالق.

دليل النظام

لكن مع ذلك أقول مفترضا جدلا أن الملحد سيقف موقفا خامسا خلاصته عدم الاقتناع بما سبق:

فلم يقنعه خطاب العلم الفزيائي القائم على نظرية الإنفجار العظيم، أو لنفترض أنها نظرية الانفجار خاطئة ، كما نفترض أن الملحد لم يقنعه التحليل العقلي الذي بلورناه سابقا لتوكيد القول بوجود لحظة بدء لهذا الكون . ولنفترض أنه يطلب دليلا آخر.

إذن لنترك نظرية الانفجار الدالة على حدوث الكون ولنتأمل ما يلي:

لنأخذ فكرة الألحاد القائلة بالنوسان ،أي أن هذا الكون أصله"مادة"مكثفة ،تنفجر فيتكون الكون ،ويتمدد ثم ينكمش فيعود إلى حالته الأولى (أي أصغر من نقطة الدبوس ) فينفجر من جديد.

فنقول:

إن الكون قبل الانفجار كان كله في حجم أقل من بروتون واحد!!!! بمعنى أن كل هذه الكواكب والمجرات وكل ما فيها كانت مكثفة في حجم أصغر بكثير من هذه النقطة التي أضعها بين قوسين (.)

أرجو أن يتأمل الملحد جيدا في هذه النقطة الموضوعة بين قوسين ،ولينصت إلي قليلا:

أتدري ماذا كان في نقطة الدبوس تلك ؟ كان فيها كل شيء من أشياء هذا الكون ،فيها كنت أنا وأنت وجميع أعضاء هذا المنتدى ... وكان فيها أيضا كوكب الأرض بل والمجرات ... وكل هذا الكون الذي لا زال في امتداد وتوسع!

ثم انفجرت النقطة الصغيرة التي لا ترى ليستوي منها كل هذا الكون العظيم.

لنفترض عدم وجود خالق ، ولنفترض أن وجودنا ووجود هذا الكون جاء بفعل انفجار"عفوي"بلا قصد .

فهل يستوي في عقلك أن يكون تكون هذا الكون صدفة ؟

إن الكون الذي نتحدث عنه والذي نرجعه إلى خالق ،ليس مجرد كثلة من المادة الميتة . ولا هو ظواهر فوضوية مهزوزة بلا انتظام ولا نسق. بل هو كون منظم بلغ في انتظامه واتساقه درجة مذهلة.

وعندما نتأمل هذا الكون في انتظامه وارتباطه العلائقي يتبدى لنا دليل جديد ،بعد دليل الحدوث ،وهو دليل النظام:

وقبل عرض الدليل أنبه إلى أن الفلسفة اليونانية رغم قولها بقدم المادة (الهيولى) فإنها احتاجت إلى القول بوجود خالق / محرك (أنظر بشكل خاص نظرية الأسباب الأربعة عند أرسطو - السبب المادي والسبب الفاعل والسبب الصوري والسبب الغائي - كما أن بن رشد رغم نقده - في كتابه المميز"كشف مناهج الأدلة"- للدليل الكلامي القائم على نظرية الجوهر الفرد(الجزء الذي لا يتجزأ) والذي أسس عليه علماء الكلام نظرية عدم انفكاك العرض عن الجوهر ، وحدوث العرض ، ومن ثم حدوث الجوهر ذاته ،وبالتالي القول بحدوث العالم لأنه أصلا مجموع جواهر غير منفكة عن الأعراض -قلت رغم نقد بن رشد لدليل الحدوث الكلامي وجد في ما سماه ب"دليل العناية"و"دليل الإختراع"مرتكزا استدلاليا كافيا للقول بوجود خالق .

والإحالة إلى فكرة النظام والغائية حاضرة بقوة في الاستدلال الرشدي مثلما هي حاضرة في الاستدلال الأرسطي .

وعود إلى دليل النظام ،فأقول:

إن المتأمل في الظاهرة الكونية يلاحظ أنها بلغت درجة مذهلة في انتظامها !

نعم ثمة الآن نظرية علمية تقول بالكوارث والفوضى ،وجدت بأن يعض الملحدين يكررونها وكأنها مدخل يعفيهم من سؤال كيف حدث النظام الكوني؟

فلنتأمل مأزق هذا التفكير الألحادي:

بالنسبة لنظرية الكوارث والفوضى التي ستظهر في سبعينات القرن العشرين لا تقول أبدا بإلغاء فكرة الأنتظام الكوني . بل كل ما تقوله هو أن ثمة ظواهر في الكون يمكن الأصطلاح عليها بكونها فوضى ،أي خارقة لما نشاهده من عادة الأنتظام الشاملة للكون.

بل هنا يجب الانتباه إلى أمر دقيق عميق ، وهو أن القول بالفوضى لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان هناك انتظام تقيس عليه فتنسب الفوضى إلى ما لا ينتظم مثله .

ثم لو عدنا إلى نظرية الفوضى فزيائيا سنلاحظ:

أولا:أن القائلين بها ،يعترفون بكون الظاهرة التي تتبدى بمظهر الفوضى مكونة من مكونات منتظمة ،أي أنها ليس مطلق الفوضى .

ثم ثانيا:إنها لا تلغي وجود نظام في الكون.

الأمر الذي يجعلنا نخلص إلى الاستنتاج التالي:

'ن مقولة انتظام الكون مقولة لا قبل بدفعها أو رفضها .

إذن لنأخذ ملحوظة النظام ونعود بها إلى نقطة الدبوس!!!!!

التي يرفض الملحد بإصرار غريب أن يقول لنا من أين جاءت ؟

كما لا يقول لماذا كانت في سكون أزلي ثم"قررت"من تلقاء ذاتها أن تنفجر ؟

نقطة الدبوس هذه - لن تحدث بانفجارها العشوائي عالما وكينونة مادية فقط ،بل كينونة فيها مادة وحياة وعقل ! بل ستحدث عالما مترابطا منتظما.

هنا يطرح من جديد سؤال جديد يحتاج الملحد أن يجيبنا عليه:

كيف يتكون من حدث الانفجار كون منتظم ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت