فهرس الكتاب

الصفحة 18171 من 27364

لقد كانت الكنيسة الأوروبية سبباً غير مباشر أحياناً وسبباً مباشراً أحياناً أخرى في نشر الإلحاد والزندقة والكفر الكامل بوجود الله وذلك لأن القائمين على هذه الكنيسة من الرهبان والقساوسة أدخلوا في دينهم كثيراً من الخرافات والخزعبلات، وجعلوها عقائد دينية، كرفعهم عيسى عليه السلام من مرتبة البشرية إلى الألوهية وظهور فكرة الخطيئة والصلب والخلاص وأضافوا إلى ذلك كثيراً من الخرافات الدارجة عن الأرض والكون والحياة، وعندما بدأ عصر النهضة الأوربية واكتشف بعض العلماء حقائق جديدة عن الأرض والكون والحياة هب الرهبان والقساوسة ينكرون ذلك، ويتهمون من يعتقد بالحقائق الجديدة ويصدق بها بالكفر والزندقة ويوعزون إلى السلطات الحاكمة بقتلهم وحرقهم بالنار، ولقد لقي كثير من العلماء هذا المصير المؤلم جزاء مخالفتهم لآراء الكنيسة.. ولكن حركة العلم لم تتوقف واستطاع العلماء أن يقدموا كل يوم براهين جديدة على نظرياتهم العلمية وابتدأت آراء الكنيسة ومعتقداتها تهزم كل يوم هزيمة جديدة وكانت الجولة في النهاية لعلماء المادة على رجال الكهنوت فاندفع الناس نحو الإيمان بالعلم المادي كإله جديد سيحمل الرخاء والقوة والرفاهية للناس، وفتش الناس أسرار الكنيسة فهالهم ما رأوه من فساد أخلاقي بين الرهبان والراهبات وأرادوا التخلص إلى غير رجعة من السلطان الكهنوتي والقهر الزمني الذي مارسته الكنيسة ضدهم ومن الإتاوات والضرائب التي فرضتها الكنيسة على رقابهم فكان الرفض الكامل لكل المعتقدات الدينية والكراهية العامة لكل عقيدة تنادي بالإيمان بالغيب واتهام الرسل جميعاً بالكذب والتدليس وهكذا برزت الموجة الأولى من موجات الإلحاد العالمي.

2-مظالم العالم الرأسمالي:

ما كادت أوربا تتخلص جزئياً من سلطان الكنيسة ويكتشف الناس قوة البخار والآلة حتى تحول الناس من الزراعة إلى الصناعة، وهرع أهل الإقطاع إلى التصنيع فامتلكوا المصانع الكبيرة وحازوا الثروات الضخمة واستغلوا العمال استغلالاً فاحشاً وانتشرت المظالم الهائلة وظهرت الطبقات المتفاوتة من رأسماليين جشعين إلى عمال فقراء مظلومين، وكان رؤية هذا الظلم الجديد، ومساندة رجال الدين أو سكوتهم عنه سبباً جديداً في انتشار الإلحاد والشك في وجود الله، واتهام الدين بمساندة الظلم أو عجزة عن تقديم حل ناجح لمشكلات الإنسان على الأرض وابتدأت العقائد الدينية تنحسر انحساراً جديداً عن حياة الناس وابتدأ الناس يعملون أفكارهم في خلق عقائد تستطيع أن تحل مشكلاتهم على الأرض، وتقنع عقولهم وعجزت الكنيسة الأوروبية أيضاً عن تقديم هذا العلاج للناس.

3-ظهور المذاهب الاقتصادية الالحادية:

كان العامل الثالث الذي ساعد على انتشار موجة الإلحاد هو ظهور المذاهب الاقتصادية الإلحادية وخاصة الشيوعية التي بشر بها كارل ماركس (اليهودي الألماني الذي تنصر والده) فبالرغم من أن هذا المذهب ينطلق من منطلق اقتصادي ويستهدف حسب إعلان المبشرين به معالجة المظالم الرأسمالية الفردية والسيطرة على مجتمع اشتراكي يعمل فيه كل إنسان حسب طاقته ويأخذ حسب حاجته فقط، إلا أن القائمين على هذا المذهب الاقتصادي صبغوه بالصبغة العقائدية وأعطوه أبعاداً أخرى غير اقتصادية فزعموا أن الحياة التي يعيشها الناس حياة مادية فقط وأنه لا يوجد روح ولا بعث ولا إله، ولا حياة أخرى وأن الناس منذ وجدوا لا هم لهم إلا المصالح المادية وزعموا أن ظهور الأديان إنما كان من فعل الأغنياء ليلبسوا على الفقراء ويستغلوهم وأن الأخلاق كالأمانة والعفة والصدق ما هي إلا نتاج خبيث للفكر الديني الذي يريد أن يخدم المصالح الرأسمالية، واعتقد الشيوعيون لذلك أن الأنبياء ما كانوا إلا دجالين أرادوا بنشر أديانهم تخدير الشعوب لتستنيم للظلم والقهر وبهذا أصبح هذا المذهب الاقتصادي بفلسفته التي أطلقها على الأديان موجة جديدة من موجات الإلحاد والزندقة. ولعل هذه الموجة الجديدة التي جاءت بها الشيوعية كانت أعتى موجات الإلحاد جميعاً وذلك أن الشيوعية تبنت الدفاع عن المظلومين والفقراء وهذه قضية عادلة وإنسانية في ذاتها ولذلك تبنى هؤلاء الفقراء والمظلومون وهم أغلبية الناس دائماً هذه العقيدة الجديدة والدين الجديد لأنه يدافع عن مصالحهم ويتبنى قضاياهم وبالطبع أخذوا هذا الدين بفلسفته العقائدية وليس بفكره الاقتصادي فقط.

وهكذا انتشر الإلحاد سريعاً مع هذا المذهب الاقتصادي الجديد وكان النجاح الهائل الذي لاقته الدعوة الشيوعية بتفجير الثورة البلشفية في روسيا والاستيلاء على الحكم عاملاً كاسحاً في هدم الأديان ونشر الإلحاد وانتقاله ليصبح عقيدة عالمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت