العقدة الكبرى هي الأسئلة الناتجة بدافع غريزة التدين، وهي ناتجة عن الإحساس بالعجز الطبيعي عند الإنسان، وهي الأسئلة الثلاثة: من أين جئت؟ ولماذا؟ وإلى أين؟؟
يطلبون من الطالب في المدرسة -يطلب أهله- أن يجد ويجتهد، فيسأل لماذا؟
فيجيبونه: لكي تنجح وتتفوق.
فيسألهم: وبعدين؟
فيقولون له: تدخل الجامعة؟
فيسألهم: وبعدين؟
فيجيبون: حتى تأخذ الشهادة.
فيسألهم: طيب، وبعدين؟
فيقولون: لتحصل على وظيفة محترمة!!!!
فيسألهم: وبعدين؟
فيقولون: تتزوج، وتنشئ أسرة، ويكون لك أولاد، ويكون لك بيت، و..
فيسألهم: وبعدين؟
فيا ترى، أين تنتهي هذه الـ (وبعدين) ؟
وهذه الـ (وبعدين) هي التي تطارد الإنسان طوال حياته، ولا يكون لحياته بتصرفاته وسلوكاته معنى دون أن يجيب عن هذه الـ (وبعدين) .
فالإجابة عن أسئلة العقدة الكبرى الثلاثة، هي التي تشكل القاعدة الفكرية، لأنه إن حُلّت هذه العقدة، سهل بعد ذلك أن تُحل باقي العقد، وذلك لأن هذه العقدة كبرى، تتعلق بوجود الإنسان واستمراره ونهايته، ووجود غيره مما يقع حسه عليه ويتعامل معه، فأي عقدة أخرى ستكون صغيرة بالنسبة لها، لأنها لا تتعلق بوجود الإنسان ومصيره. والعقد الأخرى تتعلق بجزئيات هذه الأشياء الثلاثة: الكون والإنسان والحياة. فإن حلت العقدة الكبرى حلت باقي العقد بناء على حل العقدة الكبرى. فالعقدة الكبرى أصل، وما عداها فرع عليه.
(((لكن هذا الحل لا يوصل إلى النهضة إلا إذا كان حلاً صحيحاً يوافق فطرة الإنسان، ويقنع العقل , فيملأ القلب طمأنينة. ) ))
والحل الصحيح للعقدة الكبرى، الذي هو الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة وعما وراءها، لا يكون صحيحاً إلا بشرطين:
أولهما: موافقة الفطرة
وثانيهما: إقناع العقل.
واشتراط هذين الشرطين ضروري، وذلك لأن هذا الحل هو إجابة لأسئلة الفطرة، فإن لم يجب عن تلك الأسئلة فلن تنقطع، وستبقى الأسئلة تثور لأدنى موقف، فتقض مضجع الإنسان، وتنغص عليه عيشه، فلا يحس له بقيمة. فلا بد أن تقوم هذه الإجابات بإسكات أسئلة الفطرة الثلاثة، وهذا معنى موافقة الفطرة.
أما إقناع العقل فلأن العقل هو الذي سيجيب، وعليه فإن العقل سيستخدم قوانينه للإجابة عن هذه الأسئلة، فإن استخدم قوانينه بشكل صحيح وصل إلى إجابات مقنعة، أما إن استخدم قوانينه بشكل خاطئ، فإنه سيتبين له في وقت ما خطأ ما وصل إليه من قبل، فينهدم كل ما بناه، ويعود القلق مرة أخرى. وإن لم يستخدم قوانينه في الإجابة عن تلك الأسئلة، فإنه معرض في أية لحظة للتساؤل حول تلك الإجابات ومدى صحتها، مما يؤدي إلى زلزلة القناعة بتلك الإجابات، أو معرض في أية لحظة لأن يكتشف خطأ تلك الإجابات، فينهدم ما بناه، ويعود القلق مرة أخرى.
وإن تحقق الشرطان في الحل، امتلأ القلب طمأنينة، وذلك لوصوله إلى إجابات تلك الأسئلة بما يشبع العجز الطبيعي عند الإنسان، بحل وصل إليه هو بنفسه، وبشكل صحيح مقنع.
والطمأنينة المقصودة هنا هي الطمأنينة الدائمة، نظراً لأن هذا الحل يشكل أساساً لكل سلوكات الإنسان وأفكاره، وتتعزز تلك الطمأنينة بكل سلوك انبثق من ذلك الحل، أو فكرة بنيت عليه، وفي حال مخالفته تنخرم هذه الطمأنينة الدائمة، لوقوعه في التناقض بين ما يحمل ويقتنع به وبين ما استخدمه في تسيير سلوكه أو أخذه للفكرة.