القاعدة الثانية: الحذر من التأثر بالأقوال المزخرفة المنمقة ، أو المرتبة ترتيباً متناسقاً يوحي بسلامتها من الزيف .
القاعدة الثالثة: الحذر من قبول كل المذاهب تأثراً بكثرة الصحيح المعروض فيه ، فربّ ألف فكرة صحيحة تفسدها فكرة باطلة تقع منها موقع الجذر ، أو أساس البناء وقاعدته الأولى .
وكم سقط أذكياء في فخ أصحاب الحيل من شياطين واضعي المذاهب الضالة ، تأثراً بأفكار صحيحة كثيرة عُرضت عليهم ، حتى إذا سئموا من شدة المراقبة ، وجاءتهم الغفلة ، أمرَّ الشيطان الفكرة الباطلة بطريقة متسللة دون أن تثير ضجةً ولا انتباهاً ، وهم عندئذ يقبلونها دون محاكمة ولا نظر .
يضاف إلى ذلك أن كثرة الصحيح تستدرج الأنفس إلى الثقة والطمأنينة ، ومع الثقة والطمأنينة يكثر التسليم دون بحث ولا نظر ، ودون إجهادٍ للذهن بفحص كلّ جُزَيئَة لتمييز الحق من الباطل .
القاعدة الرابعة: الحذر من المغالطات التي قد تشتمل عليها الأدلة المقدمة لإثبات المذهب الوافد ، وتوجيه الانتباه من الدرجة القصوى لأصول المغالطات التي يصطنعها المضللون المغالطون للإقناع بمذاهبهم وآرائهم .
القاعدة الخامسة: اليقظة التامة لدى فحص الأفكار ومناقشتها ، ويكون ذلك بتجزئة الأفكار إلى عناصرها ، والبحث عن جذورها ، وعدم قبولها جملة واحدة ، أو رفضها جملة واحدة .
وكم من أخطاء علمية وقع فيها باحثون ، بسبب عدم تفاصُل عناصر الأفكار في أذهانهم ، وعدم تمايزها ، فقد يعطي أحدهم بعضها حكم الآخر مع أن له حكماً غير حكمه ، لمخالفته له في الحقيقة ، أو في كثير من الصفات .
ومن هنا تأتي تعميمات فاسدات ، يظهر زيفها متى تمايزت حقائق الأشياء في الذهن ، وتفاصلت عن بعضها بهوياتها الخاصة التي لها أحكام خاصة .
فعلى الباحث أن يفصّل أي موضوع ذي عناصر إلى عناصره ، ووحداته الجزئية ، ثمّ يبحث في كل عنصر منها وفق أصول البحث العلمي ، ثمّ يبني حكمه بالاستناد إلى ما انتهى إليه بحثه في ذلك العنصر ، وهكذا حتى يستوفي كل العناصر ، ولا تغرنه كثرة عناصر الصواب ، فقد يأتي عنصر واحد باطل فاسد ، فيكون سبباً في إفساد نظرية الموضوع كله ، ويكون هذا العنصر بمثابة السم في الدسم ، بالنسبة إلى جملة المذهب ، أو الآراء المعروضة .