فهرس الكتاب

الصفحة 18347 من 27364

ولكن بحمد الله وتوفيقه ثم بفضل جهود دعاة الإسلام في نشر المعاني الإسلامية والدعوة إلى الرجوع إلى هذا الدين والتفقه فيه وحمله، أن أقبل طلاب الجامعات المدنية إلى هذا الدين وتمسكوا به حتى فاق كثير منهم في الالتزام به بعضَ طلاب الجامعات الإسلامية، حتى ضاقت بذلك صدور العلمانيين في البلدان الإسلامية، وأساتذتهم في بلدان الغرب ذرعا بهذه الظاهرة، وأصبحوا يحاربون هذا الصنف من الملتزمين أكثر من حربهم للملتزمين بالإسلام من طلاب الجامعات الإسلامية، حتى الطلاب الذين درسوا في الجامعات الغربية معقل العلمانية، رجع كثير منهم وهم يحملون الدعوة إلى الإسلام مع تخصصاتهم المسماة بالمدنية والعسكرية، فكان فيهم شبه بتربية موسى في قصر فرعون، وعلى أهلها تدور الدوائر!

هذا هو سبب تخصيص الجامعات الإسلامية، وإلا فالأصل أن تكون الجامعات في البلدان الإسلامية كلها جامعات إسلامية، بدون حاجة أن توصف بأنها إسلامية، على أن تضم الجامعة الواحدة جميع الكليات والأقسام التخصصية، فتكون في الجامعة كليات الطب والهندسة والجغرافيا والسياسة والاقتصاد والشريعة واللغة وغيرها، وتكون الدارسات الإسلامية مقررة في كل الكليات بالقدر المناسب، مع ما فيها من تخصصات، حتى يكون المتخرجون منها كلهم ذوي كفاءات ومؤهلات متخصصة، مع معرفة القدر الكافي من العلوم الإسلامية، وبذلك يقضى على الازدواجية الموجودة الآن في البلدان الإسلامية.

أقسام العلم في الشريعة الإسلامية.

إن العلم في الشريعة الإسلامية ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما هو فرض عين على كل مسلم.

وهو ما لا يسع أحدا من المسلمين جهلُه، لتعلقه بعينه وعدم سقوطه عنه-ما دام قادرا عليه-بفعل غيره، وذلك مثل العلم بالقدر الضروري من أصول الإيمان، والعلم الضروري بأصول الإسلام، وكل ما هو فرض على الأعيان، فإن الواجب على كل مسلم أن يعلم ما وجب عليه عينا بحسب ما هو مطلوب منه شرعا.

القسم الثاني. ما هو فرض كفاية من علوم الشريعة.

وهو ما لا يجب على أحد بعينه من المسلمين، وإنما يجب على الأمة أن يوجد فيها من يقوم به قياما كافيا، فإذا قام به واحد منها وكان كافيا للأمة سقط عن باقي الأمة، وإن لم يكف الواحد وجب أن يوجد العدد الكافي للأمة بحسب حاجتها، وذلك مثل الفتوى والقضاء والسياسة الشرعية والمواريث والمعاملات والعقوبات-الحدود والقصاص والتعزير-وغير ذلك من علوم الشريعة الإسلامية، فيجب أن يوجد القضاة الذين تحتاج إليهم الأمة مهما كان عددهم، وهكذا المُفْتُون، وفقهاء السياسة الشرعية وخبراء الجهاد والاقتصاد الإسلامي وغيرهم.

هذان القسمان-كما هو واضح-من علوم الشريعة التي تستفاد من القرآن وسنة الرسو صلى الله عليه وسلم ، لأن الوحي الذي جاء به، من عند الله يشملهما، ويدخل في ذلك ما أخذ منهما بطرق الاستنباط والاستدلال المعروفة عند العلماء، وما دلا عليه من مقاصد الشريعة الإسلامية.

القسم الثالث: ما يتعلق بمصالح الدنيا. [2]

مما يرشد إليه الوحي أو العقل أو التجربة أو اللغة، وهي العلوم التي يحتاج إليها المسلمون وغيرهم، وإذا خلا منها بلد تعرض أهله للهلاك أو الانحطاط والتأخر والضعف.

مثل علم الطب والرياضيات والهندسة بأنواعها، وكذلك المهن الأخرى كالصناعة والزراعة والخياطة والحياكة والخبازة وغيرها، فهذه العلوم والمهن من فروض الكفاية.

وفرض الكفاية بقسميه. الشرعي والعادي تأثم الأمة كلها إذا لم يوجد من يقوم به قياما كافيا.

وكلاهما-فرض العين وفرض الكفاية بقسميه-يثاب فاعله-إذا قصد به وجه الله-ويعاقب تاركه القادر عليه. وكلها تدخل تحت الأحكام التكليفية الخمسة، وهي: الواجب والمندوب والمباح والمحرم والمكروه.

وبهذا يعلم أن المسلم مكلف شرعا بجميع العلوم: الشرعي منها والعادي، إلا أن منها ما يكون فرض عين ومنها ما يكون فرض كفاية [3] .

وهذا يدل على ارتباط شؤون الدنيا بشؤون الدين، وأن الفصل بينهما فصلا يعزل الدين عن توجيه الأمة في حياتها الدينية والدنيوية، منكر في الإسلام لا يجوز إقراره، وهو الذي دمر حياة المسلمين في هذا العصر، حيث صار لشؤون الدنيا سلطة زمنية مستقلة، ولشؤون الدين زعامات تقيدها سلطة الشؤون المدنية بما تهوى، ولو ألغي بذلك تطبيق الإسلام، اتباعا لما سار عليه العلمانيون في الغرب من إقصاء الدين النصراني الكنسي المحرف عن التدخل في الشؤون الدنيوية، مع أن الفرق الكبير بين الدين الكنسي الذي تَحَكَّم في حياة الناس باسم الله، فأحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله بدون إذن من الله، وليس فيه منهج صالح لحياة البشر الشاملة، بخلاف الإسلام الذي لم يدع شاردة ولا واردة في حياة البشر إلا شرع لها فيه ما يحقق لهم مصالحهم ويدفع عنهم المفاسد، إما بالنصوص الصريحة والظاهرة، وإما بالاستنباط والقياس، وإما بما وضعه من مقاصد يندرج تحتها ما لا يحصى من المسائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت