فهرس الكتاب

الصفحة 18362 من 27364

واليوم ظهر خوف الشعوب ذات الحضارة المادية المتقدمة-وكيف بغيرها؟- مما سمي بالعو لمة، التي حقيقتها سيطرة الأقوياء على الضعفاء في كل المجالات: الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، والعسكرية، والإعلامية، وجعل الشعوب الضعيفة أشد ضعفا، تقضي فيها الدول القوية على كل مقوماتها، بل تقضي على سيادتها، وتصبح الدول القوية تتحكم في كل شأن من شؤون حياتها.

فهل ترى أمثال هؤلاء الذين هذه حياتهم في المجال الاقتصادي يعيشون في نور أو ظلمات؟!

وإنما أغفلت ذكر المعسكر الشيوعي والاشتراكي-وإن كان موجودا في الصين الشعبية بصفة خاصة، ومحافظا على فلسفته الشيوعية التي تجعل الشعب كله خادما بلقمة عيشه ومسكنه الجماعي لا يملك لنفسه شيئا-لأن هذا المعسكر قد قضي بنفسه على نفسه لمخالفة نهجه الفطرة والناموس مخالفة واضحة، وهو في طريقه إلى الزوال كما حصل لما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي. وهاهي الصين اليوم تعلن تخليها عن نهجها الاقتصادي الشيوعي، وتأخذ بالنهج الرأسمالي، وإن زعمت أنها لا تزال على شيوعيتها...

المجال الرابع: الحياة السياسية.

الحياة السياسية في العالم الذي يقال عنه: إنه متحضر-تقوم كغيرها على أساس إبعاد منهج الله تعالى عن تسيير حياة البشر، وإحلال المناهج البشرية محله، وهو ما اشتهر بالعلمانية، والعالم الغربي منطقي مع نفسه في ذلك، بالنسبة للديانة النصرانية المحرفة.

فالإنجيل الذي بأيديهم ليس فيه ما يمكن أن يستند عليه في التشريع والسياسة والاقتصاد والاجتماع والقضاء وغيرها، حتى يقال للنصارى: احكموا بالإنجيل في سياستكم .

وأمر الله أهل الإنجيل أن يحكموا بما فيه، وكذا أمر أهل التوراة أن يحكموا بما فيها، المراد منه الاعتراف والإقرار برسالة الرسو صلى الله عليه وسلم التي وردت في الكتابين، وأنكرها اليهود والنصارى وكتموها، وليس المراد الحكم بكل ما فيهما بعد نزول القرآن الذي هو المهيمن على جميع الكتب السماوية، وقد بين ذلك المفسرون...

وأهل الغرب ليس عندهم-وخاصة ساستهم-استعداد لقبول تحكيم الإسلام حتى يبنوا حياتهم السياسية على مبادئه-لا سيما أن المسلمين أنفسهم لا يحكمون الإسلام في أغلب بلدانهم، فكيف يرجى من غيرهم أن يحكم به وهم بعيدون منه؟!.

لذلك قامت الحياة السياسية في الغرب-أوربا وأمريكا الشمالية وما دار في فلكها من البلدان، كاستراليا واليابان-على مبدأ الديمقراطية التي يقال عنها: إن الشعب يحكم نفسه بنفسه إما بصفة مباشرة-وهذه حلم لم يتحقق إلى الآن-أو عن طريق نوابه الذين يختارهم، والأسلوب الذي تدار به السياسة في الغرب أسلوب جذاب في ظاهره وبخاصة إذا قورن بالسياسة الاستبدادية"الدكتاتورية"التي اتبعها المعسكر الاشتراكي والدول المسماة بالعالم الثالث. فإن الشعب في الغرب يختار نوابه ويختار قادته بدون شراء الأصوات مباشرة وبدون تزوير واضح، وبدون مضايقة شرطية"بوليسية"يتنافس الزعماء الذين يرشحون أنفسهم لقيادة بلدانهم، فإذا اختير أحدهم سلم السابق الحكم للاحق بدون أي عناء أو مشقة، وهكذا تتداول الأحزاب الحكم بطريقة سلمية-بخلاف الزعماء الاستبداديين وأحزابهم، فإنهم لا يسلمون الحكم لخصومهم إلا بالسلاح.

ولكن هل هذه الصورة الظاهرة المفضلة على الاستبداد كما يراها الناس في ظاهرها حرة ليس فيها إكراه، ونزيهة ليس فيها خداع؟؟

والجواب: لا، فحريتها ظاهرية سطحية، ونزاهتها وهمية، فالأحزاب الغربية المسماة بالديمقراطية تضلل عقول الشعوب التي تنتخب الزعماء، عن طريق أجهزة الإعلام بتخطيط وتنظيم وتنفيذ معدة إعدادا محكما، من قبل مختصين في كل شأن من الشؤون التي تهم تلك الشعوب، وأجهزة الإعلام هي التي تُشتَرى بدلا من شراء الأصوات مباشرة، وهي تكذب وتجعل الكذب في صورة صدق، والزعماء يكذبون ويظهر كذبهم في صورة صدق، إضافة إلى القذارة الأخلاقية التي يتبعونها في اتهاماتهم لخصومهم بالحق والباطل، مع ما يعد به الزعيم الشعوب من الإنجازات التي يتبخر كثير منها بعد وصوله إلى كرسي الحكم.

وإذا علمنا أن أغلب جماهير الشعوب غوغائية، لا تفكر ولا تحلل ولا تشغل عقولها بمصالحها، وإنما تَسمع وتُستَخَف وتُقلِّد، وأن الذين يقودون تلك الشعوب هم أفراد قلائل، أدركنا أن تلك الجماهير شبه مكرهة على انتخاب أولئك الزعماء، بسبب التضليل الذي تفعله أجهزة الإعلام وشياطينها، وبسبب الأكاذيب والشتائم التي يكيلها كل مرشح لخصمه، والوعود التي يقطعها على نفسه.

ويترتب على ذلك أن الحزب الحاكم له مناهج وخطط وأهداف، كثير منها ليست هي التي يطمع فيها الشعب الذي انتخبه، فيمني الشعب بخسائر لم تكن بحسبانه، وبخاصة ما يتعلق بالاقتصاد الذي لا يكون الرفاه إلا بازدهاره.

كما أن أولئك الزعماء تكون لهم طموحات استعمارية وسياسية وعسكرية، فيجمعون بين أمرين:

الأمر الأول: التعالي على الشعوب الضعيفة وقهرها وأخذ خيراتها وجعلها مصدرا رخيصا للخامات التي يصنعها وسوقا يشعل فيه غلاء بضائعه وصناعاته، فيدمر بذلك اقتصادها، وقد يدمر جيشها وسلاحها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت