فهرس الكتاب
والذي يتتبع نشاط مؤتمرات وندوات الإعجاز العلمي في القرآن والسنة المنبثقة عن هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة التي أنشأها الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني اليمني في مقر رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة يتضح له أن إنكار وجود الخالق المدبر لهذا الكون قد أصبح خرافة وإن أصر المكابرون على إنكاره.
لكن ما دام يوجد في الأرض من يظهر عدم الإيمان بهذا التوحيد-سواء أكان من الملحدين الأجانب أم من أذنابهم الذين اتبعوهم من ذرا ري المسلمين، وسواء أكانوا صادقين في إنكارهم أم كاذبين فلا بد من إقامة الحجة عليهم، ولابد من دعوتهم إلى الإقرار بتوحيد الربوبية الذي هو الدليل على توحيد الألوهية.
وقد أبرز علماء الإسلام-قديما وحديثا-الأدلة والبراهين على وجود الخالق المدبر للكون، ومن الكتب النفيسة التي عنيت بهذا الأمر: كتاب (مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة) لابن قيم الجوزية رحمه الله الذي جال في أبوابه وفصوله جولات واسعة في الكون الفسيح بسماواته وأرضه وما بينهما وفي الأنفس التي أودع الله فيها ما يحيي القلوب من الموت ويشفي الأبصار من العمى، وإنه ليذكر رحمه الله أمورا مفصلة في الكون والإنسان، حتى كأنه يعيش في هذا العصر الذي يسمى عصر الاكتشافات العلمية، وفيه ظهر من الحجج والبراهين الكونية والنفسية ما لم يظهر كثير منه في العصور السابقة، بسبب الوسائل والإمكانات التي توافرت فيه ولم تتوافر في غيره، فظهر فيه كثير مما أشار الله إليه أو أشار إليه رسوله، تحقيقا لوعد الله القائل: {قل أر أيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} فصلت: 52-53.
وإذا استقر في نفس الإنسان أن الكون كله أوجده خالق واحد لا يشاركه في هذا الإيجاد أحد وأن هذا الخالق هو المالك لجميع المخلوقات، لأنه هو وحده خالقها ومدبرها، علم هذا الإنسان أنه مخلوق مملوك مدبر لهذا الخالق المالك المدبر، كغيره من المخلوقات، و المخلوق المملوك المدبر لابد أن يخضع لخالقه ومالكه ومدبره، فيمتثل أمره الذي هو فيه مختار، كما يخضع لإرادته في ما هو مضطر، وبطاعته الاختيارية لأمر الخالق يمتاز الإنسان-ومثله الجن-عن سائر المخلوقات المسيرة بأمر ربها القدري، كالشمس والقمر، وسائر الكواكب والأفلاك، والحيوانات والبحار والأنهار والجبال، وغيرها. كما قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} . الأعراف: 54. وقال تعالى {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة من أمرهم} . القصص: 68.
فالأثر المترتب على الإيمان بأن الله هو الخالق المالك المدبر هو خضوع العبد المخلوق المملوك المدبر، خضوعا مطلقا لأمر الخالق فيما يختار كخضوعه له فيما لا اختيار له فيه، فكما يمرض ويصح، ويحيا ويموت، خاضعا لأمر الله القدري بدون اختيار منه فإنه يؤمن بالله، ويصلي ويصوم ويحج ويتصدق، ويحكم بما أنزل الله، ويفعل كلما يحب الله منه أن يفعل، ويترك كلما يحب الله أن يترك،مختارا خاضعا لأمر الله الشرعي كخضوعه لأمر الله القدري.
ولهذا يترتب على الإقرار بأن الله هو الخالق المدبر المالك الرازق المحيي المميت وحده، الإقرار بأنه تعالى الإله المعبود بحق وحده لا شريك له.
الإيمان بأن الله هو المعبود الحق وحده
وهذا هو أساس المطالب و العلوم الإلهية كلها، وهو الذي بعث الله تعالى به رسله، وأنزل به عليهم كتبه، وأمرهم أن يدعوا خلقه إلى الإقرار به وأن يبينوه لهم غاية البيان، وهو أساس كل صلاح في الأرض بل في الكون كله ولا صلاح ولا خير ولا سعادة ولا استقامة ولا طمأنينة في الحياة إلا بهذا الإيمان، بل لا يوجد بدونه إلا الفساد والشر والانحراف والقلق والاضطراب. وهذا الإيمان لازم لكل من آمن بأن الله تعالى هو الخالق المدبر لأمر الكون، دون من سواه، لأن الذي يختص بالخلق والتدبير لهذا الكون-ومنه الإنسان-يجب عند ذوي العقول السليمة أن يكون هو وحده الإله المعبود، الذي يأمر فيطاع أمره، وينهى فيجتنب نهيه، كما أنه يقول للشيء كن فيكون خلقا وإيجادا، فيجب أن يطاع أمره شرعا واختيارا.
شمول العبادة لحياة الإنسان