فهرس الكتاب

الصفحة 18427 من 27364

ثم استغاثة العباد يوم القيامة وطلبهم من الأنبياء إنما يدعون الله تعالى ليفصل بين العباد بالحساب حتى يريحهم من هول الموقف، وهذا لا شك في جوازه، أعني طلب دعاء الله تعالى من بعض عباده لبعض، بل قال صلى اللع عليه وسلم لعمر رضي الله عنه لما خرج معتمرا:"لا تنسنا يا أخي من دعائك". وأمرنا سبحانه أن ندعو للمؤمنين وأن نستغفر لهم في قوله تعالى (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) [59:10] وقد قالت أم سليم رضي الله عنها: يا رسول الله، خادمك أنس أدع الله له. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون الدعاء من صلى الله عليه وسلم وهو حي. وهذا أمر متفق على جوازه. والكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا أن يشفوا مرضاهم ويردوا غائبهم وينفسوا عن حبلاهم وأن يسقوا زرعهم ويدروا ضروع مواشيهم ويحفظوها من العين ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها أحد إلا الله. هؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم (والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون) [7:197] (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) [7:194] فكيف يطلب الإنسان من الجماد أو من حي ـ الجماد خير منه ـ لأنه لا تكليف عليه، وهذا يبين ما فعله المشركون الذين حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى (وجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا..) الآية [6:136] وقال (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون) . [16:56]

فهؤلاء القبوريون والمعتقدون في جهال الأحياء وضلالهم سلكوا مسالك المشركين حذو القذة بالقذة، فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقد إلا في الله، وجعلوا لهم جزء من المال وقصدوا قبورهم من ديارهم البعيدة للزيارة، وطافوا حول قبورهم وقاموا خاضعين عند قبورهم وهتفوا بهم عند الشدائد، ونحروا تقربا إليهم. وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك ولا أدري هل فيهم من يسجد لهم؟ لا أستبعد أن فيهم من يفعل ذلك. بل أخبرني من أثق به أنه رأى من يسجد على عتبة باب مشهد الولي الذي يقصده تعظيما له وعبادة، ويقسمون بأسمائهم. بل إذا حلف من عليه حق باسم الله تعالى لم يقبلوا منه، فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه. وهكذا كان عباد الأصنام (إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون) [39:45] وفي الحديث الصحيح:"من كان حالفا فليحلف بالله أو لصمت"وسمع رسول ا صلى الله عليه وسلم رجلا يحلف باللات فأمره أن يقول:"لا إله إلا الله"وهذا يدل على أنه ارتد بالحلف بالصنم، فأمره أن يجدد إسلامهن فإنه قد كفر بذلك، كما قررناه في سبل السلام شرح بلوغ المرام وفي منحة الغفار. فإن قلت: لا سواء، لأن هؤلاء قد قالوا"لا غله إلا الله"وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم 'لا بحقها."وقال لأسامة بن زيد:"لم قتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟"وهؤلاء يصلون ويصومون ويزكون ويحجون بخلاف المشركين. قلتُ: قا صلى الله عليه وسلم"إلا بحقها"وحقها إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى. والقبوريون لم يفردوا الإلهية والعبادة، فلم تنفعهم كلمة الشهادة، فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها، كما لم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء.

وكذلك من جعل غير من أرسله الله نبيا، لم تنفعه كلمة الشهادة. إلا ترى أن بني حنيفة كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلون ولكنهم قالوا: إن مسيلمة نبي. فقاتلهم الصحابة وسبوهم. فكيف بمن يجعل للولي خاصة الإلهية ويناديه للمهمات؟ وهذا أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه حرق أصحاب عبد الله ابن سبأ، وكانوا يقولون نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ولكنهم غلوا في علي رضي الله عنه واعتقدوا فيه ما يعتقد القبوريون وأشباههم، فعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحدا من العصاة، فإنه حفر لهم الحفائر وأجج لهم نارا وألقاهم فيها وقال:

لما رأيت الأمر أمر منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا

وقال الشاعر في عصره

لترم بي المنية حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين

إذا ما أججوا فيهم نارا رأيت الموت نقدا غير دين

والقصة في فتح الباري وغيره من كتب الحديث والسير.

وقد وقع إجماع الأمة على أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله، فكيف بمن يجعل لله ندا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت