فهرس الكتاب
جزاء ما عمله من خير فيها قبل موته، فإن الله عز وجل لا يظلم مثقال ذرة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها. رواه مسلم وبهذا يتبين لك أن الكافر لو عمل خيراً يريد به وجه الله، فإنه لا يموت حتى يعطى ثوابه، فإذا جاء إلى
الآخرة لم تكن له حسنات يجزى بها. وأما سؤالك عن مصير الذين سمعوا بالإسلام ولم يعرفوا عنه شيئاً؟ فجوابه: أن من مات على غير الإسلام ولم تكن بلغته الدعوة على وجهها فإن مآله في الآخرة موضع نظر بين أهل العلم، وقد ذكر أقوالهم الدكتور الصاوي في كتابه الثوابت والمتغيرات، فقال: فمنهم من جزم بعدم عذره وأنه معذب لا محالة، ومنهم من جزم بعذره وأنه لا يعذب حتى تقام عليه الحجة الرسالية، وهذا ما جزم به ابن القيم، وهؤلاء الذين قالوا بعذرهم حتى تقوم عليهم الحجة انقسموا إلى قسمين، فقسم أطلق القول بعذرهم وأن الرحمة تشملهم ابتداء، قال الغزالي: بل أقول: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة، إن شاء الله تعالى، أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك، ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف: الصنف الأول: لم يبلغهم اسم صلى الله عليه وسلم أصلاً، فهم معذورون. الصنف الثاني: بلغهم اسمه ونعته، وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام، والمخالطون لهم، وهم الكفار الملحدون. الصنف الثالث: هم بين الدرجتين، بلغهم اسم صلى الله عليه وسلم ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا أيضاً منذ الصبا أن كذابا اسمه محمد -نعوذ من ذلك بالله تعالى- ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذاباً يقال له: المقفع بعثه الله تحدياً بالنبوة، كاذباً، فهؤلاء عندي في أوصافه في معنى الصنف الأول، فإنهم مع أنهم لم يسمعوا اسمه، سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك النظر في الطلب. ومنهم من قال يمتحنون في عرصات يوم القيامة: وقد صحت في هذا القول بعض النصوص، وذهب إلى القول به عدد كبير من أهل العلم، منهم ابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر، وابن حزم، وابن كثير، والبيهقي ونسبه أبو الحسن الأشعري إلى أهل السنة والجماعة. قال النبي صلى الله عليه وسلم أربعة يوم القيامة يدلون بحجة، رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ومن مات في الفطرة، فأما الأصم فيقول: يا رب، جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أعقل، وأما الذي مات على الفطرة فيقول: يا رب، ما أتاني رسولك، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار، قال: فو الذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً. قال ابن كثير رحمه الله: بعد أن ساق النصوص التي تشير إلى امتحان هؤلاء في عرصات يوم القيامة، وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد. انتهى. والله أعلم.
المفتي: …مركز الفتوى