فهرس الكتاب

الصفحة 18533 من 27364

وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِقَلْبِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ: مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَعْرُوفِ الْمَحْبُوبِ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْآثَارِ مَا يُشْبِهُ الْحُلُولَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ لَا أَنَّهُ حُلُولُ ذَاتِ الْمَعْرُوفِ الْمَحْبُوبِ لَكِنْ هُوَ الْإِيمَانُ بِهِ وَمَعْرِفَةُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى . { نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ } الْآيَةَ قَالَ أبي بْنُ كَعْبٍ:"مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ"فَهَذِهِ هِيَ الْأَنْوَارُ الَّتِي تَحْصُلُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ . وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى { وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } إنَّهُ الْكُفْرُ بِذَلِكَ ؛ فَإِنَّ مَنْ كَفَرَ بِالْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْإِسْلَامُ لَهُ: الْمُتَضَمِّنُ لِلِاعْتِقَادِ وَالِانْقِيَادِ لِإِيجَابِ الْوَاجِبَاتِ وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ وَإِبَاحَةِ الْمُبَاحَاتِ: فَهُوَ كَافِرٌ ؛ إذْ الْمَقْصُودُ لَنَا مِنْ إنْزَالِ الْكُتُبِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ هُوَ حُصُولُ الْإِيمَانِ لَنَا فَمَنْ كَفَرَ بِهَذَا فَهُوَ كَافِرٌ بِذَاكَ وَهَذَا قَدْ يُسَمَّى الْمَثَلَ وَالْمِثَالَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْعِلْمَ مِثَالُ الْمَعْلُومِ فِي الْعَالَمِ وَكَذَلِكَ الْحُبُّ يَكُونُ فِيهِ تَمْثِيلُ الْمَحْبُوبِ فِي الْمُحِبِّ . ثُمَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ وَكُلَّ حُبٍّ فَفِيهِ هَذَا الْمِثَالُ كَمَا يَقُولُهُ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ حُصُولَ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْمِثَالِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ وَالْحُبِّ . وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ تَمَثُّلٌ وَتَخَيُّلٌ لِبَعْضِ الْعَالِمِينَ وَالْمُحِبِّينَ حَتَّى يَتَخَيَّلَ صُورَةَ الْمَحْبُوبِ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ تَخَيُّلٌ حِسِّيٌّ وَلَيْسَ هَذَا الْمَثَلُ مَنْ جِنْسِ الْحَقِيقَةِ أَصْلًا ؛ وَإِنَّمَا لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ مُطَابِقًا لِلْمَعْلُومِ وَمُوَافِقًا لَهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لَهُ كَانَ بَيْنَ الْمُطَابِقِ وَالْمُطَابَقِ وَالْمُوَافِقِ وَالْمُوَافَقِ نَوْعُ تَنَاسُبٍ وَتَشَابُهٍ وَنَوْعٌ مَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّمْثِيلِ فَإِنَّ الْمَثَلَ يُضْرَبُ لِلشَّيْءِ لِمُشَارَكَتِهِ إيَّاهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَهُنَا قَطْعًا اشْتِرَاكٌ مَا وَاشْتِبَاهٌ مَا . وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } وَقَوْلِهِ: { وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أَنَّهُ هَذَا وَفِي حَدِيثٍ مَأْثُورٍ: { مَا وَسِعَنِي أَرْضِي وَلَا سَمَائِي وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ النَّقِيِّ التَّقِيِّ الْوَدَاعِ اللَّيِّنِ } وَيُقَالُ: الْقَلْبُ بَيْتُ الرَّبِّ وَهَذَا هُوَ نَصِيبُ الْعِبَادِ مِنْ رَبِّهِمْ وَحَظُّهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ بِهِ كَمَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَعْلَمَ كَيْفَ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ ؟ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللَّهِ مِنْ قَلْبِهِ ؟ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْ نَفْسِهِ حَيْثُ أَنْزَلَهُ الْعَبْدُ مِنْ قَلْبِهِ . وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الموصلي وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الذِّكْرِ وَلِهَذَا قَالَ أَبْنَاءُ يَعْقُوبَ: { نَعْبُدُ إلَهَك وَإِلَهَ آبَائِك إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ } فَإِنَّ أُلُوهِيَّةَ اللَّهِ مُتَفَاوِتَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ عَلَى دَرَجَاتٍ عَظِيمَةٍ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ وَيَتَفَاوَتُونَ فِيهَا تَفَاوُتًا لَا يَنْضَبِطُ طَرَفَاهُ حَتَّى قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَقِّ شَخْصَيْنِ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ مِثْلِ هَذَا } فَصَارَ وَاحِدٌ مِنْ الْآدَمِيِّينَ خَيْرًا مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ بَنِي جِنْسِهِ ؛ وَهَذَا تَبَايُنٌ عَظِيمٌ لَا يَحْصُلُ مِثْلُهُ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانِ . وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ مَنْ قَالَ:"مَا سَبَقَكُمْ أَبُو بَكْرٍ بِفَضْلِ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَكِنْ بِشَيْءِ وَقَرَ فِي قَلْبِهِ". وَهُوَ الْيَقِينُ وَالْإِيمَانُ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم { وُزِنْت بِالْأُمَّةِ فَرَجَحْت ثُمَّ وُزِنَ أَبُو بَكْرٍ بِالْأُمَّةِ فَرَجَحَ ثُمَّ وُزِنَ عُمَرُ بِالْأُمَّةِ فَرَجَحَ ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ } وَقَالَ r فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ الصِّدِّيقُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت