فهرس الكتاب

الصفحة 1863 من 27364

لم يكن تغريب الطبقة العليا إلا أحد أوجه سلسلة الواقع الجديد الذي أراد به الغرب ضرب التوازن الاجتماعي المستقر في البلاد الإسلامية، وهناك وجهان آخران: أولهما إيجاد طبقة جديدة من العمال الحضريين المحرومين ، ولقد جندت هذه الطبقة من المدن ومن الريف ؛ لدفع عجلة التصنيع الفجائي والمفروض الذي أدخله الغرب على عالمنا الإسلامي ، لقد عاشت هذه الطبقة ظروفاً صعبة وقاسية ولم يكن المهم أن تعيش هذه الظروف فقط ، وإنما كان المهم أن تحرم من الإشباعات العاطفية والروحية التي يمنحها الدين والأسرة الممتدة لأفرادها. كان تجنيد هذه الطبقة من الريف لتحقيق هدف مهم آخر سعى إليه الغرب وهو إيجاد ما يسمى (بثنائية الريف المدينة) حيث القدر الأكبر للمدينة وكل ما قدم منها ويرمز لها ، مع الحط من قدر الريفيين والعمل على هجرتهم إلى المدينة لتشكيل الطبقة الجديدة وتركيز المهنيين (الغير مهمين) والمثقفين في المدينة على حساب المهنيين الذين تشتد الحاجة إليهم كالأطباء والمهندسين وغيرهم.

هذا هو الوجه الأول ، أما الوجه الثاني: فقد كان تدعيم الطبقة الوسطى وإضافة فئات أخرى لها تشابه أكثر وأكثر مثيلتها في البلاد الغربية ، ويعهد إليها بمهمة التطوير الثقافي للبلاد لحساب الغرب.

خامسا إدخال الصناعة والتكنولوجيا:

لم يكن التصنيع (الحديث) والتكنولوجيا واقعاً قائماً في بلاد المسلمين فجاء الغرب وأدخلهما عن عمد كواقع جديد بهدف إحداث اضطراب خطير في النسيج المكون لثقافة المسلمين أولاً ، ولضمان تبعية المسلمين له واستنزاف خيراتهم بطريقة عصرية ، لأن الطرق القائمة لا تسعفه في تحقيق هذا الاستنزاف.

دمر الغرب الصناعات المحلية، وقضى على المهن التقليدية، ونشر بضائعه الاستهلاكية ، وأرغم الصنّاع والحرفيين إما على الخروج من الساحة والانضمام إلى ركب العمال الحضريين، أو تعديل خبرتهم الفنية بحيث ينتجون بضائع ذات نمط غربي يعرف الغرب أنها لن تقوى على المنافسة أمام بضائعه التي تستخدم التقنية الحديثة العالية الجودة المعدلة وفقاً لأذواق المسلمين ، ثم نافس الغرب بعد ذلك المشروعات الصناعية القائمة ، وأدخل مناهجه الغربية في إنتاج ما يصنع محلياً.

اعتقد المسلمون أنهم وهم يستخدمون المعدات والتقنية الغربية قد وصلوا إلى مرحلة من التقدم الاجتماعي ، وأن التغير الذي حدث عندهم بسبب هذا الاستخدام تغير محدود لن يؤثر على قيمهم الأساسية ، ولم يدرك المسلمون وهم في وهم هذا التقدم أن الغرب قد وقف بهم عند حد (طريقة الاستخدام) ولم ولن يصل بهم أبداً إلى (طريقة الإنتاج) .. لم يكن المسلمون وهم يستخدمون الصناعة والتقنية الغربية يقفون عند الحدود الشرعية التي تحدد لهم الفرق بين الانتفاع بالثقافة وبين التأثر بهذه الثقافة ، في حين أن الغرب كان يعلم تماماً أن استخدام أي عنصر ثقافي غربي لابد وأن يؤدي بالضرورة إلى استخدام عنصر آخر ، وهكذا إلى أن ينتهي الأمر إلى تبني طريقة الحياة الغربية ذاتها.

حال الغرب دون تمكين المسلمين من صناعة الآلات التي توجد فيها باقي الصناعات ، فلم توجد لدينا المصانع التي تصنع الآلات من (موتورات) وخلافه ولم تتوفر لدينا آلات من صناعة البلاد تمكننا من صناعة باقي المصانع ، ولقد أعاق الغرب صناعة الآلات في بلاد المسلمين بحجة أنها تحتاج إلى وقت طويل وأنه لابد لنا من صناعة الحاجات الأساسية ، فانصرف المسلمون إلى الصناعات الاستهلاكية وأصبحت بلادهم سوقاً لمصانع أوربا وأمريكا ، وأرسلت أكثر البعثات إلى الخارج لا لتعلم صناعة الهندسة الثقيلة وصناعة الفولاذ ، ولكن لدراسة الآداب واللغويات والعلوم الإنسانية والاجتماعية التي توسع الهوة بين المسلمين وثقافتهم ، فانصرفت البلاد إلى صناعة المنسوجات والورق وخام الحرير ، وأهملت صناعة الآلات.

وبدلاً من استقدام خبراء صناعة الآلات استقدمت الخادمات والمربيات الأجنبيات ، صاغ الغرب لنا كتبنا خاصة في النمو الاقتصادي ، فجعلنا نعتقد أننا لابد وأن نسير في عدة مراحل وبشروط معينة حتى نصل إلى مرحلة التقدم فأطال أمامنا أمل تسلم زمام رأس الصناعة ومنبعها وهو (صناعة الآلات) .

أجبرنا الغرب على شراء المصانع والآلات منه وبثمن باهظ ، وإذا أصيبت الآلات بعطب أو كسر اضطررنا لاستقدام خبرائه لإصلاحها أو استيراد الآلة منه وإلا تعطلت المصانع كلية.

لم تكن لبلاد المسلمين سياسة اقتصادية محددة في أن تكون هذه البلاد (صناعية) بمعنى (أن تصنع الآلات) ، ولهذا لم تخلص بلادنا حتى الآن ولم تستغنِ عن الغرب لكنها أصبحت بدلا من ذلك أكثر ارتباطاً به وبمنتجاته وآلاته والأهم من ذلك كله بطريقة الحياة الغربية.

يقول (باتاي) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت