فهرس الكتاب
ومع هذه الأدلة ِالواضحةِ، والبراهينِ الساطعةِ، وأقوالِ السلفِ والخلفِ النيرةِ، نرى بعضَ الأسرِ ينتظرون بفارغ الصبر لتبدأ رحلات سياحية شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً بدعوى الترفيه.
وإنني إذ أدعو كلَ أبٍ إلى الترفيه المباح الحلال له ولأولاده، أقول: يجب أن يكون هذا الترفيهُ متفقاً مع قيمنا، متكاملاً مع عقيدتنا، يبني ولا يهدم، يقدم ولا يؤخر، فيزداد الأولادُ بالتأمل في خلق الله من جبال وأنهار، وسهول وبحار، وزهور وأشجار إيماناً وتسليماً، كما يزدادون معرفةًَ ببلاد الله الواسعةِ وعبادهِ المنتشرين فوقَ أرض الله.
ولكن أن تصبح السياحةُ في بلاد تخلع فيها الكرامة وينسلخ بها الحياء، ثم نبذل فيها الأموال الطائلة، فقل لي بربك:
ماذا ستجني الأمةُ من جراء ذلك؟!.
وكم من المكاسب سيتحصل عليها الأعداءُ من ذهابنا إلى ديارهم؟! من ضعف في الديانة، وتدهور في الأخلاق والكرامة وذلك.
والله، إنّ هذا لهو الخسران العظيم.
وإننا لا نعجبُ والله من القنواتِ الفضائية، والإذاعةِ الغربية في التسويق للسياحية الخارجية، لأنهم نصبوا أنفسَهم لحرب الدين والقضاء على أهله، ولكنّ العجبَ كلَ العجبِ من صحفنا ومجلاتنا وأماكن الدعايات في شوارعنا، التي أصبحت مرتعا لما نُحَّذر منه، فحين نُقلبَّها لا نجدها ممتلئة بشروح مفصلة لما يتعرض له المسلمون في شرق الأرض وغربها من حروب فتاكة، ودماء مهدرة، وأراض منهوبة، وحقوق مضيعة، كلا، كلا، فهذه قضايا جانبية، وأحداث هامشية.
وقد بلغ بهم التضليلُ لأبناء هذا الوطن المعطاء أن تُفَرغ أعمدةٌ كاملةٌ للإعلانات، عن ماذا يا ترى؟!:
هل لحملة تبرعات للإخواننا المتضررين في مشارق الأرض ومغاربها؟!.
كلا، بل أقل من ذلك!.
هل هي إعلاناتٌ من أجل السياحيةِ الداخليةِ في هذا البلد الذي تتوفر فيه مقومات السياحة؟!.
أيضاً: كلا، إنها الإعلاناتُ السياحة، والتخفيضاتُ الخيالية عن أسعار التذاكر، والإقامة في بلدان تغلب عليها الرذيلةُ!.
إنها دعوة لأهل هذه البلاد رجالاً ونساءاً، صغاراً وكباراً إلى السفر للخارج، وبذل الأموالِ الطائلةِ لإضاعةِ قيمِ الإنسان ومبادئهِ، وأخلاقهِ وعفافهِ، وطهرهِ ونقائه!.
ويا ترى ماذا يفعل بعضُ شبابِنا هناك، هناك في ديار العهر والفساد، هناك في بلاد الكفر والإلحاد:
في أرض أوروبا قتلت كرامتي …وأضعت في حاناتها ثرواتي
وعلى مسارحها نثرت دراهمي … وأجدت فيها أحسنَ الرقصات
باريس تعرفني ولندنُ لم تزل …ترنو إلى جيبي وحسنِ هباتي
وعيون مانيلا تراقب مقدمي …ولكم غرستُ بأرضها شهواتي
كم حانة ذوبت فيها همتي …وعقدتُ فيها خيرَ مؤتمراتي
وشربت فيها الكأس حتى خِلتني …أدمي فؤادَ الكأسِ بالرشفات
أيها الأخوة في الله:
إذا كنا نشكو من وفرةِ المالِ فإن هناك إخوانا لنا من المسلمين يتضورون جوعا وتهلكهم المصائبُ ولا يجدون من يغيثهم ؟!!
وإذا كنا نشكو من الفراغ فلنتذكر حديثَ نبينِا محمدٍ r حين قال:"لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ" (13) .
وإذا كنا عازمين على السفر للخارج، فلماذا لا يتم التنسيقُ مع المؤسسات الخيرية، والجمعيات الإسلاميةِ لتكون الرحلاتُ دعويةً، بدلاً من أن تكون سياحيةً، فتطعم المساكين، وتفرج كربةَ المكروبين، وتعلم الجاهلين، وتتحسّس أخبار المضطهدين، وتعلم ماذا يفعل النصارى الحاقدون بإخوانك المسلمين.
وإذا كنا نشكو من قلةِ الفرصِ المتاحةِ لنا ولأبنائنا، فإن سبلَ الخير متوفرةٌ وموجودةٌ، ولا عذرَ لأحد في تجاهلها من سياحة داخلية في بلادنا العامرة، وعمرةٍ لبيت الله الحرام، وزيارةٍ للأقارب والأرحام، ومراكزَ صيفيةٍ بناءة، وحَِلق تحفيظِ القرآن للرجال والنساء، وغيرِها من فرص الخير.
ولنعلم جميعاً أننا أمةٌ إن تعاونت على البر والتقوى، فلن يكون بها مكان لسماسرة الترفيهِ المشبوه ولا لألبسة التحرر الموبوءة.
وسنجني بإذن الله تعالى أطيبَ الثمارِ عندما نحافظ على فلذاتِ أكبادِنا، ونحرص على تربيتهم التربيةَ الجادة.
وهذا وصلوا وسلموا - رحمكم الله - على النبي العظيم، والمرشد الكريم: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) . [سورة الأحزاب، الآية: 56] .
المراجع
ــــــــــــــــــــ
(1) رواه الترمذي (2140) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(2) انظر: جريدة المحايد عدد (5) 7/3/1422ه ص 9.
(3) تفسير ابن كثير ص 353 ط دار السلام.
(4) رواه أبو داود (2405) من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه.
(5) رواه النسائي ورقمه (5209) من حديث أنس رضي الله عنه.
(6) رواه أبو داود ورقمه (2645) والترمذي ورقمه (1604) وقال الألباني في الإرواء (1207) (5/29) : سنده صحيح.
(7) رواه النسائي ورقمه (4177) .
(8) قال شيخ الإسلام في الاقتضاء ص 200 إسناده جيد.