ما أن وجد الغربيون لأنفسهم قدماً في قلب الشرق الأوسط حتى بدأوا في إظهار (تكنولوجيتهم) ونشر مظاهر معينة منها عمداً وعرضاً بين السكان المحليين. إن المظاهر التكنولوجية للثقافة هو إيسر ما يمكن أن يستعار، وهذا صحيح فقط عند النظر إلى (استخدام) المنتج التكنولوجي وليس (إنتاجه) . إنه يصعب عليك أن تصنع مضخة مياه تعمل بمحرك لكنك تستطيع في دقائق قليلة أن تتعلم كيف تستخدمها، وأن تتعرف على مزاياها التي تفوق استخدامك للأسلوب القديم لرفع المياه عن طريق (الشادوف) .
إن قبول سكان الشرق الأوسط للتكنولوجيا الغربية بالإضافة إلى إمكانيات نقلها ووظيفتها الكبرى كمؤشر هام للتقدم ، قد تيسر بواسطة حقيقة مؤداها أنها لا تشغل وضعاً مهماً في ثقافتهم الخاصة.. وبمعنى آخر إن شعوب الشرق الأوسط مثل أصحاب أي ثقافات أخرى لم ترَ أن مجرد التحول إلى استخدام المعدات الغربية يعنى أن قيمهم الأساسية سوف تتأثر، بل رأت أنه مجرد تغير ذو أهمية قليلة ، وأخيراً أدركت بعد أن فات الأوان أن قبول أي عنصر ثقافي غربي منفرد يؤدي إلى قبول عناصر أخرى أكثر وأحدث فتكون النتيجة إحداث اضطراب خطير في النسيج الحيوي المكون لثقافتهم التقليدية.
إن مقارنة نمو التصنيع الغربي بتصنيع الشرق الأوسط يبين لنا أن تصنيع الأخير كان محدوداً وفجائياً ، بالإضافة إلى أنه مفروض من الخارج ، ولم ينمو عضوياً في بيئته المحلية ، ولهذا كان من المحتمل أن يصاحب بتوترات قاتلة يترتب عليها انهيار الأشكال التقليدية من التفاعل الاجتماعي الذي تميزه العلاقات الشخصية والأسرية وانتشار المكانات الموجهة قرابياً ، وتحوله إلى الأشكال الغربية من التفاعل الاجتماعي الذي يقوم على العلاقات غير الشخصية».
هذه خمسة عناصر من عناصر هذا الواقع الجديد الذي أدخله الغرب على حياة المسلمين لتغريبهم وتدمير التوازن القائم في ثقافتهم ، وتندرج جهود الغرب هذه تحت قوله عز وجل (( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفَاراْ حسداْ من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق ) ) (1) ، وتشير الوقائع السابقة إلى أن الغرب قد نجح إلى حد بعيد في جهوده تلك رغم التحذير الذي وجهه الله عز وجل للمسلمين من اتباع سبيل الكافرين كما جاء في قوله تعالى: (( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ) ) (2) ، وقوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) ) (3) وقوله تعالى: (( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حاد الله ورسوله ) ) (4) ... إلى غير ذلك من الآيات.
لكن نجاح الغرب في تغريب المسلمين لم يكن راجعاً إى كفاءة تنظيره المدروس الذي أسماه (تشويش الأحكام القيمية) ، فليس هذا التنظير كما يخيل للبعض بجهد إبداعي خلاق يضيف هيبة أخرى إلى هيبة الغرب الحالية في عيون المسلمين. إن هذا الجهد يتضاءل أمام قاعدة ابن تيمية رحمه الله التي يقول فيها: «إن المشاركة في الهدى الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى موافقة في الأخلاق والأعمال... فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة ، فكيف بالمشابهة في أمور دينية.. فإن إفضاء هذا النوع من الموالاة أكثر وأشد والمحبة والموالاة لهم أي اليهود والنصارى تنافي الإيمان» ».
ويرجع نجاح الغرب في تغريب المسلمين إلى سببين أساسين:
الأول: أن هذا هو قضاء الله عز وجل النافذ فيما أخبر به رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما سبق في علمه ، فقد قال - صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة حتى لو دخلوا مجر الضب لدخلتموه ، قال يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال فمن؟) (5) .
الثاني: ضعف إيمان المسلمين: الله سبحانه وتعالى ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه القائمين بدينه علماً وعملاً ، يقول ابن القيم رحمه الله في ذلك: «فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم فهم جعلوا عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى ، فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور مَكْفيٌ مدفوع عنه بالذات أين كان ، ولو اجتمع عليه من بأقطارها ، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته ظاهراً وباطناً.. وقد قال الله تعالى للمؤمنين (( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) ) (6) ، وقال تعالى: (( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ) ) (7) .
فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم التي هي جند من جنود الله يحفظهم بها ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم فيبطلها عليهم كما يتر الكافرين والمنافقين أعمالهم إذا كانت لغيره ولم تكن موافقة لأمره.
الهوامش:
*انظر تفصيلا: صلى الله عليه وسلم APHAEL PATAI, THE DYNAMICS OF WESTE r NIXATION THE MIDDLEEAST JOU r NAL, V. 9 NO. 1, WINTE r 1955 , PP. 1-16.
(1) سورة البقرة ، آية 109.
(2) سورة النساء ، آية 115.
(3) سورة المائدة ، آية 51.
(4) سورة المجادلة ، آية 22.
(5) أخرجه الترمذي ، كتاب الفتن ، وابن ماجة ، كتاب الفتن.
(6) سورة آل عمران ، آية 139.